• الأربعاء 28 محرم 1439هـ - 18 أكتوبر 2017م

ميزان العدالة

أرملة.. في شهر العسل

حجم الخط |


تاريخ النشر: الجمعة 02 مارس 2012

أحمد محمد

(القاهرة) - لم يتقبل أحد من أبناء القرية ولا أقارب «خليل» وحتى أخوته القرار الذي أقدم عليه واتخذه منفرداً، فقد اعتزم الزواج رغم أنه يقترب من السبعين من عمره ووهن عظمه واشتعل الرأس منه شيباً، أما الأكثر معارضة فأبناؤه وبناته الذين رأوا أن أباهم غير وفيّ لأمهم التي قضت عمرها معه وعاشت بجانبه على الحلو والمر وقاست وعانت الأمرين في حياتها حتى استطاعت أن تكوّن له أسرة ومالاً، لم يرد أحد أن يذكره بالماضي حفاظاً على المشاعر ولا داعي لنبش العورات والتفتيش عن العيوب، حفاظاً على شعرة معاوية وبقاء الود.

لم يمر على رحيل الزوجة أربعون يوماً، وهي أقل فترة للحداد على الزوجات عندهم، حتى فجر خليل المفاجأة التي دوت في القرية كلها وأصبحت متداولة على كل لسان، الجميع يرفضونها ويتندرون عليه حتى اطلقوا عليه اسم «العريس الصغير»، لأنهم يستنكرون فعلته، بينما الرجل يرى أنه لم يرتكب جرماً ولا حراماً ومن حقه أن يكون له إلف في شيخوخته تعنى به وبحاجياته، ولم يقتنع بأن بناته المتزوجات القريبات منه يمكنهن أن يقمن بذلك خير قيام كما يؤكدن له، وأيضاً زوجات أبنائه الثلاثة، لأنه تعلم الدرس من كثيرين قبله، فهذا أحد أقاربه ماتت زوجته ولم يتزوج وهو في الخمسين من عمره، ليتفرغ لرعاية أبنائه وحفاظاً على مشاعرهم، ووفاء لذكرى زوجته الراحلة، لكنه ذاق الأمرين بعد أن تقدم به العمر وأهمله الجميع، وهو الذي كان يضرب به المثل في الأناقة، يراه الآن وقد اتسخت ملابسه، ويجلس تحت الجدار بلا أنيس وانشغل أبناؤه وبناته بشؤونهم، فأراد خليل ألا يقع في المصيدة التي وقع فيها قريبه وألا يتعرَّض لما تعرض له من هوان، ولكن كل شخص يرى أن رأيه هو الصواب وأن الآخرين جميعاً مخطئون.

لم يسمع خليل كل الأصوات من حوله، واصل تنفيذ ما عزم عليه، تقدم لخطبة فتاة في عمر أحفاده، تصغره بأكثر من أربعين سنة، وأعد لها عش الزوجية في بيته الريفي الذي اقتطع منه جانباً وجعل له حدوداً وخصوصية حتى لا تختلط بابنيه اللذين يرفضان تلك الزيجة، وأعلنا موقفهما صراحة، وكانت تلك أوَّل مرة تقع بينهم مواجهة بهذا الشكل، إلا أنها بلغت حد العداوة والقطيعة، وبلا أي مظاهر للاحتفال تزوج العجوز واحتفل وحده هو وعروسه بالعرس فهي من أسرة فقيرة فاتها قطار الزواج وليست في حاجة للاحتفال أو الزفة والأضواء.

الأمر لم ينته عند هذا الحد، بل إن العريس العجوز كان يخرج في الصباح يعبث بشاربه الأبيض الطويل غير عابئ بما يدور حوله، كأنه يخرج لهم لسانه ويعلن انتصاره على الجميع، مما جعلهم يستشيطون غضباً وغيظاً ويملأ الحقد قلوبهم، إلا أنه اعتقد أن هذه زوبعة في فنجان ستنتهي قريباً بعد أن تستقر الأمور، فليس هو أوَّل شخص يتزوج بعد وفاة زوجته أو في مثل عمره، وأيضاً لن يكون الأخير، وتلك سنة الحياة، إلا أن ظهور العروس فوق سطح الدار بملابسها الجديدة التي تنم عن التغير الكبير في حياتها أثارهم أكثر، وإن كانت لا تقصد الاحتكاك بهم وإنما تتصرف بشكل طبيعي عندما تقوم بأعمال المنزل والطهو والنظافة وغيرها.

قبل أن يمضي الأسبوع الأول من الزواج، أعلن الابنان الكبيران الحرب صراحة على أبيهما، استوقفاه عند باب داره الملاصق للبيت القديم الذي يقيمان فيه، وبصوت حاد ونبرة لا تليق في الحديث مع الأب طالباه بأن يتنازل عن كل أملاكه لهما ولإخوتهما، ولم يخفيا مخاوفهما من أنه في حال انجاب أخ أو أخت من العروس الجديدة أو أكثر فإنهم سيقاسمونهم الميراث، وفي هذه اللحظة فقد الأب السيطرة على أعصابه وصفع ابنه الأكبر على وجهه وطردهما شر طردة.

اشتعل الموقف وهدد الولدان بفرض الأمر الواقع بالقوة، لأنهما يريان أنهما أحق بهذه الأموال من أبيهما لأنه لا فضل له فيها، وهما يعلمان أن هذه الأراضي الزراعية وحظائر الماشية التي يملكها أبوهما ليست من كسب يده ولا من جهده، وإنما أمهما ورثت تلك الأراضي عن أبيها، وكانت تديرها أثناء حياتها بنفسها إلا أنها كزوجة مخلصة تركت الإدارة لزوجها وأشعرته بأنه صاحب الأرض احتراماً له ولأن الرجال قوَّامون على النساء، وحتى لا ينظر إليه من حوله على أنه «زوج الست» أو يعمل لدى زوجته وهو في النهاية والد أبنائها، ولذلك فهما يريان أن هذه الممتلكات من حق أبنائها وليس من حق إخوتهم الذين سينجبهم أبوهم من امرأة أخرى أي حق فيها. ... المزيد

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا