• الخميس 02 ذي الحجة 1438هـ - 24 أغسطس 2017م

البيوت أسرار

حكاية أبي وأمي

حجم الخط |


تاريخ النشر: الجمعة 02 مارس 2012

نورا محمد

(القاهرة) - حياتي لم تعرف الاستقرار في مكان منذ جئت إلى الدنيا قبل سبعة وعشرين عاماً، فقد ولدت في مدينة غير مسقط رأس أبي وأمي، والتحقت بعشرات المدارس في المراحل الدراسية المختلفة في مناطق متعددة ومتباعدة، بسبب ظروف وظيفة أبي الذي ما نكاد نتأقلم في مكان حتى يأتي قرار أو موعد نقله، فلم يكن لي أنا وأختي الوحيدة التي تكبرني بعامين أي أصدقاء لأن هذا الترحال يقطع كل الصلات والعلاقات.

أبي في مركز مرموق ودخله جيد وقد ورث أموالاً لا بأس بها، فكنا نعيش في رغد، ولا ينقصنا إلا أن نستقر في مكان، وقد كان لهذا الشتات فضل في أن تتقارب أسرتنا وتأتلف وتتكاتف، وللحقيقة نحن نموذج للأسرة المتحابة المتماسكة المترابطة، نستعيض عن عدم وجود أصدقاء بالاقتراب من بعضنا، لكن من الطبيعي أن نحتاج لمن هم في مثل أعمارنا وظروفنا للتواصل الاجتماعي والترابط الإنساني، إلا أن ذلك ليس بأيدينا وخارج عن إرادتنا، أبي حنون ولطيف ويصادقنا بالفعل، بسيط إلى أقصى حد، يحسدنا من نعرفهم عليه ويرون فيه أباً غير عادي وغير تقليدي، ونراهم وهم يشتكون آباءهم وأمهاتهم، فنفخر به ونقترب منه أكثر، أما أمي فهي أرستقراطية، تتعامل معنا ومع غيرنا بشكل رسمي، كل تصرفاتها بحساب، لا تسمح لنا بالاختلاط إلا مع من تختارهم لنا، تفرض علينا كل شيء من الطعام إلى الكلام والنظام، ولم يكن ذلك يزعجنا لأننا اعتدناه، إلا أن ما كنا نستغربه هو الفارق بينها وبين أبي، ورغم الاختلافات الواضحة بين شخصيتيهما إلا أنهما لا يعدمان التفاهم، وتسير حياتنا بلا مشاكل.

أسفارنا المستمرة وغربتنا الدائمة، كانت سبباً مباشراً في عدم ارتباطنا بأقاربنا أو في القطيعة الإجبارية بيننا، فلا فرصة لكي نلتقي بهم أو حتى نتعارف مثل كل الأقارب، بل وصل الأمر إلى أننا لا نعرف أبناء أعمامنا وأبناء أخوالنا إلا قليلاً منهم عندما يتم لقاء بالصدفة بعد سنوات طوال، ولم نكن نفتح حواراً عنهم، لأننا ننصاع للظروف التي اضطرتنا إلى ما نحن فيه، وأنا وأختي نرى ذلك طبيعياً، لكننا نشتاق للتعرف عليهم جميعاً ومصادقة من هم في أعمارنا منهم، نود لو نقضي معهم الإجازات أو نلتقي في مصيف أو حتى حفل غداء، لكن إذا كنا نحن في إجازة فإنا أبانا وأمنا مشغولان بعملهما، وننتظر الأمل في وقت نستقر فيه لتتحقق أمنيتنا الغالية.

انتهت أختي من دراستها الجامعية وحصلت على مؤهل عالٍ بعدما تخرجت في كلية مرموقة والتحقت بوظيفة جيدة، ومع أحوالنا ومركز أبي وأمي كانت فتاة مرغوباً فيها من الشباب فانهال عليها العرسان من كل المستويات، فكانت فرصة الاختيار متاحة أمامها، وتم التوافق بين الجميع على أحدهم، وبسرعة فائقة تم إنجاز كل متطلبات الزواج، وخلال عدة أشهر انتقلت إلى بيت زوجها، وكنت أنا الخاسر الأكبر برحيلها، لأنني افتقدت صديقتي الوحيدة في الحياة، فهي أقرب الناس إليَّ وأكثرهم فهماً لي وأرتاح إليها، وما زاد من أحزاني أنها انتقلت إلى مدينة بعيدة عنّا وظروفنا ما زالت على ما هي عليه من التنقل والترحال، بل إن الفرقة ازدادت منذ أن التحقت بالجامعة وتحديداً بكلية الطب، فكانت إقامتي الإجبارية خلال الدراسة في المدينة التي تقع بها الجامعة التي أدرس فيها، وأقيم بعيداً عن أبي وأمي لكن على أمل الالتقاء مرة أخرى بعد الانتهاء من الدراسة، خاصة أن أبي اشترى لي شقة مجاورة لمسكننا الأصلي لكي أكون قريباً منهما.

خلال تلك الفترة كنت أُمني نفسي بانتهاء الدراسة والاستقرار، وأمنيتي الغريبة أن يتقاعد أبي كي نستقر ونعيش حياتنا في «وطن» بعيداً عن المعاناة التي قضينا حياتنا كلها فيها، وظللت أحلم بذلك ليل نهار، وإن كانت الدراسة تشغلني كثيراً، فلا اهتمام لي إلا هي، إلا أن الجديد في حياتي الآن أنني أصبح لي بعض الأصدقاء من زملاء الجامعة بحكم عشرة السنين وتلك الفترة من مراحل العمر، وما أسرع مرور الأعوام، فقد انتهيت من دراستي بالطب والتحقت بالعمل في مستشفى في المدينة التي نسكنها، ودخلت أمنياتي كلها حيز التنفيذ بعد طول انتظار وحرمان، وبالفعل تقاعد أبي واستقرت الأسرة بعد أن تفرغت أمي وتقاعدت برغبتها من أجل أن تكون بجانبه طوال الوقت، خاصة أننا لسنا بحاجة إلى المال.

بقيت الأمنية التي تلح على أبي وأمي وهي التي يكررانها دائماً، بأن أتزوج، وعندما تهيأت الظروف جلسنا ثلاثتنا ومعنا أُختي التي حضرت لزيارتنا في نهاية الأسبوع كما اعتادت أن تفعل، وكانت الفرصة سانحة للنقاش ونحن نجلس في الشرفة بعدما تناولنا الغداء وتم فتح الحوار الذي بدأته أختي لأنها تعلم بعض الأسرار التي لم أستطع أن أفاتح فيها أبي أمي من باب الحياء رغم ما بيننا أنا وأبي من صداقة وتقارب، ورفعت أختي عني الحرج عندما أفصحت عمَّا أكنه بأنني مرتبطةعاطفياً بإحدى زميلاتي وأرغب في خطبتها، وأمسكت أمي بطرف الحوار وتولت توجيه الأسئلة واحداً تلو الآخر وكلها عن الفتاة وأسرتها، وبكل براءة الأطفال ومن غير لف أو دوران، أجبت عنها وأخبرتهم بأنها طبيبة مثلي، من أسرة بسيطة، أمها ربّة منزل لا تعمل، أبوها يعمل بالمقاولات وغير متعلم، أخواتها الثلاث أكبر منها، متزوجات وكلهن ربات بيوت لم ينلن أي قسط من التعليم، تزوجن جميعاً ومستقرات في بيوت أزواجهن، أما إخوتها الثلاثة، فقد حصلوا على مؤهلات متوسطة اثنان منهم يعملان مع أبيهما، والثالث الأصغر في طريقه للحاق بهم إلا أنه في مرحلة استراحة ما بعد الدراسة. ... المزيد

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا