• الجمعة 10 ربيع الأول 1438هـ - 09 ديسمبر 2016م

سيبقى عشاق السينما يتأملون أفلامه لزمن طويل قادم

جاك ريفيت.. شجرة السينما المورقة

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 19 مايو 2016

حسام نور الدين

لم يتعلم المخرج السينمائي جاك لويس ريفيت، السينما بأسلوب أكاديمي مُقَولب، لكنه انكب على تعلم أسرار الفن، من خلال رؤية الأفلام في السينماتيك الفرنسية لمؤسسها هنري لانجلوا، وجمعه الشغف بهذا الفن مع رفقاء من شباب جيل الخمسينيات، فكونوا مجلة (كراسات السينما) القَيّمَة، وهكذا صار بطلنا يعيش على الكتابة، ومشاهدة الأفلام، وان تمنى أن يحصل على شهادة عالية في دراسة السينما، ليرضي والده الصيدلي، لكن أساتذة معهد (الايديك – IDHEC) لم يروا في موهبته ما يستحق إلحاقه بهذا المعهد المرموق وقتها.

بدأ (جاك)، الذي تُوفي في بداية هذا العام عن 87 سنة، في صنع الأفلام القصيرة، ومنها فيلم (رقصة رباعية) الذي اضطر زميله المخرج (جودار) لسرقة بعض الكتب من مكتبة جَدّهِ النادرة، وبيعها، ليوفر المال اللازم لصنعته، لكن الفيلم لم ينجح في جذب جمهور نادي السينما، وانصرف بعد عشر دقائق!! لأن (جاك) كان مُولَعاً بفكرة ماذا سيحدث، إن لم يحدث شيء، في إطار أربعة أشخاص يجلسون حول طاولة، ينتظرون حدوث شيء، وهو ما يقودنا لفلسفة مسرح العبث في هذه الفترة لصاموئيل بيكيت، يوجين إونسكو، وغيرها من الكتابات الماركسية، التي كَونت الخلفية الفكرية عند (جاك) وزملائه، لاسيما بعد الحروب العالمية الدامية التي هتكت كل القيم الدينية الكنسية لديهم، فلم يعد عندهم يقين ديني يروي الروح المنهكة حول التساؤلات الصعبة عن معنى وحقيقة هذا الوجود، فتبلورت أفكارهم بناء على ذلك السياق الاجتماعي، والثقافي. بعدها عانَى مخرجنا حتى حصل على تمويل لأول أفلامه الطويلة، وظل 3 سنوات لايستطيع أن ينهي فيلمه، لكن بمساعدة فعالة من زملائه، ظهر أخيراً فيلمه الأول (باريس تنتمي لنا- 1960)، وتأكد معها ظهور ما يعرف بالموجة الجديدة.

أول أفلامه

بكاميرا متحركة حركة بانورامية طويلة سريعة، يفتتح مخرجنا فيلمه، فيستعرض بعض بيوت باريس، ومحطة القطار في إضاءة شبه معتمة، قبل الغروب، ومع موسيقى تصويرية مؤثرة توحي ببُعد نفسي مضطرب، ثم تلف الكاميرا حول أعلى البنايات، والأسطح، لنجد أنفسنا داخل غرفة البطلة الشابة في لقطة واحدة طويلة، ليشي بارتباطها بفضاء هذه المدينة، وعدم انفصالها عنه، ويتطور السرد عبر بحث بطلته عن سبب انتحار (موسيقي إسباني)، عرفت حكايته من أخيها، وأصدقائه، فيتَكشف لها رويداً، وجه المجتمع الباريسي الخفي، مما يجعلها توافق على العمل مع مخرج مسرحي شاب، في مسرحية شكسبير (بركليس.. أمير صُوْر)، في حين يجمع بينها والمخرج على جسر نهر السين مشهد هو مفتاح الفيلم، يستكمل البطلان فيه حوارهما في دفء، يتضافر بعدها مع معلومات مزعجة عن سبب انتحار الموسيقى الإسباني، وعلاقته بالسياسة، ووجود مؤسسة تآمرت على قتله، فتتحرك عيون البطلة مستغربة هذا العالم الشرس، وتشارك المخرج المثالي الحلم في وضع نهاية لفوضى العالم الكريهة، بمثل ما وضع (شكسبير) نهايته المسرحية، فانتصر لشخصياته المناصرة للأخلاق، والفضيلة. الفيلم مثل أفلام الموجة الجديدة، نجد فيه الدراما تبحث عن أفكار، ومشاعر الشخصيات الحائرة، ويتطور معها الخط السردي الحكائي بإيقاع، ولغة سردية مختلفة عن السائد... وقد صور (ريفيت) فيلمه خارج الاستوديوهات، وبماكينة صوت (ناجرا) خفيفة، فأزاح بذلك الكثير من العوائق، التي كانت راسخة في صناعة الأفلام التجارية، وتحرر الفيلم السينمائي من جمالياته المستهلكة، ليرصد ما هو حقيقي، وغير زائف... ويمضي بعدها الفيلم في رحلة السرد مع البطلة (بيتي شنيدر) بين الغرف الضيقة، والممرات الخانقة، بإضاءة خافتة، كأنها أو كأننا في حلم لا فكاك منه، حيث يدور أيضأً في شوارع، ومحال باريس، وسطح مسرح/‏ سارة برنار، وتنفك ألغاز اللعبة، كعادة أفلام المخرج المغرم بتقديم أفلامه بطريقة سرد أقرب إلى لعبة غامضة، ثم نعرف في مشهد النهاية أنه لا توجد مؤسسات محددة تتآمر، بل إن المؤسسات التي تقتل شبابها المعارض، وتجعله يقدم على الانتحار هي: (الشرطة، رأس المال، الأحزاب السياسية،...)، ثم تبدو البطلة وحيدة في النهاية، داخل بيت ريفي على طراز عتيق دراماتيكي، تحيطه أشجار سامقة، تتراكب أغصانها الطويلة فوق بعضها، مع إضاءة طبيعية تنحو الى الظلام، ودرجات من اللون الرمادي، بحساسية عين مدير التصوير الموهوب (شارل بيتش) الذي أعطت لمسات إضاءته للكتل الأمامية في الكادرات، وظلاله الناعمة، رقة حانية تخفف من قتامة الحالة المزاجية للعمل، ولاشك أن هذا العمل البديع تتجسد فيه ملامح أسلوب مُبدعه، في أغلب أفلامه اللاحقة مثل: (الحضور الدرامي للحدائق، والأشجار الضخمة- المرأة ذات النفسية الغامضة- المؤامرات التي تحاك في دراما بريختية- استعمال العدسات العادية بعيداً عن (التليفوتو)، والعدسات العريضة التي تشوه واقع المكان- سرد القصة بعين البطل أوالبطلة،... وهكذا).

أهم علاماته السينمائية ... المزيد

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

ما رأيك في استغلال المنابر الدينية في الشأن السياسي؟

مقبول
مرفوض
لا أعرف