• الجمعة 10 ربيع الأول 1438هـ - 09 ديسمبر 2016م

آخر الضحايا

حجم الخط |


تاريخ النشر: السبت 08 مارس 2014

يوسف غيشان

أنتمي إلى عائلة ذات تاريخ عريق في المجال الطبي، لا بل إنها قدمت التضحيات تلو التضحيات في سبيل تقدم العلم في المجال الطبي والعلاجي، وذلك عن طريق إجراء التجارب الخطرة على أفراد العائلة، غير حافلين بالنتائج الوخيمة التي قد تُطالهم، جاعلين أنفسهم مكان فئران التجارب بكل محبة وإيثار، باذلين الغالي و(النفيس) في سبيل رفعة البشرية وتقدمها.

قبل ثلاثة أرباع القرن قدم جدي لأبي، حياته فداء على مذبح البشرية، إذ كان يعاني من مغص شديد في المعدة وإمساك بالغ القساوة. عمي الذي كان أحد العسكر التابعين لكلوب باشا آنذاك، وكان يشاهد الإنجليز الذين يعالجون هكذا حالات عن طريق حقنة شرجية من الألومنيوم مع بربيش وجهاز ضخ يدوي من المطاط، حيث تملئ العلبة المعدنية بالماء والملح الإنجليزي الخاص بالموضوع.

وقد قرر عمي تطبيق ما تعلمه من طب بشري دون الحاجة إلى تلاوة قسم أبقراط، فأجرى اللازم والمتوجب عمله، مع فارق بسيط، حيث إنه ملأ الحقنة، إضافة إلى الملح الإنجليزي، بالماء المغلي (ربما أعتقد أنه الأفضل لتمشية المعدة)، وما إن تسلل السائل الحار إلى مصارين (أمعاء بالعربي الفصيح) جدي المبجل حتى قفز من الفراش، وهو شبه عار وخرج إلى الشارع يصرخ حتى سقط أرضاً.. نقلوه إلى البيت مغمى عليه، ومات بعد أيام. مات دون أن يصرخ بعبارة أرخميدس: (يوريكا.. يوريكا).. وجدتها.. وجدتها) لما خرج عارياً من الماء عند اكتشافه لقانون السائل المزاح. جدي قدم إسهاماً عظيماً للبشرية دون تبجح واكتشف قانون: (الماء الساخن يتلف المصارين).. ومات بلا غثبرة ولا من يغثبرون.

وكان والدي قبل حادثة جدي (عودة)، قدم حاسة السمع عنده على مذبح التضحيات، حيث التهبت أذناه وفقد السمع في قصة تراجيو كوميدية، لكن العالم اكتشف من هذه التجربة الفريدة التي قامت بها جدتي الرؤوم أن الزيت في درجة الغليان يؤذي الأذن، وتوقف عن استخدامه في معالجة التهابات القنوات السمعية من ذلك الزمان.

والدي الأطرش مات ولم يسمع بهزيمة حزيران بعد - فبعد شيخوخة منقوعة بالفقر قام بقلع أسنانه بالكماشة وأحياناً عن طريق ربط الضرس بخيط المصيص وربط طرفه الآخر بباب الدكان العملاق، وكانت مهمتي دفش الباب حتى يخرج السن بكل رباطة جأش. وهكذا اكتشف والدي أن الكماشة وخيط المصيص والأبواب العملاقة يمكن تحويلها إلى أدوات جراحة ناجحة في الدول النامية.

وقد حاول والدي وجدي لأمي تقديم أخي أضحية على مذبح التقدم البشري حين حاولا إدخال حامض النيتريك (مية النار ما غيرها) الذي يستخدم في تبييض طناجر النحاس، حاولا إدخاله في مجال معالجة الحزازات وداء الثعلبة والصدفية وما شابهها. إذ صب الاثنان القليل من مية النار على ثعلبة صغيرة ظهرت في رأس أخي على غفلة من الوالدة. فقد الوعي لعدة ساعات، وتمت الاستعانة بالطب التقليدي (أطباء قسم ابقراط) إلى أن نجا بصعوبة مع حفرة عميقة في الرأس لم تستعد شعرها كاملاً حتى الآن.

أعتقد أن عائلتي تستحق أن تحصل على وسام من منظمة أطباء بلا حدود، نظراً لجهودها الفاعلة في المجال الطبي، والتضحيات التي قدمتها حتى يعرف العالم بأن الزيت المغلي لا يصلح لعلاج التهابات الأذن، وحامض النيتريك (ماء الناس) لا يصلح لمعالجة الحزازات في أي مكان من السجم البشري، ناهيك عن اكتشاف أن الماء الغلي يحرق الأمعاء، وكان أجدادي وآبائي آخر ضحايا هكذا أخطاء في المجال الطبي.

ghishan@gmail.com

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

هل يتبنى ترامب مواقف أكثر توازناً ،خاصة تجاه الشرق الأوسط، بعد توليه الرئاسة الأميركية ؟!

نعم
لا