• الخميس 09 ربيع الأول 1438هـ - 08 ديسمبر 2016م

البرازيليون يريدون التحقيق مع الجميع وفي كل شيء، وهذا حقهم. ولكن إذا كان يراد للبلد أن يتعافى، فإننا بحاجة للمصالحة وإعادة الإعمار في مرحلة ما

البرازيل.. الحل في الوظائف لا المحاكمات

حجم الخط |


تاريخ النشر: الأربعاء 18 مايو 2016

مارك مارجوليس

لم يعد البرازيليون ينبهرون بسهولة هذه الأيام، والفضل في ذلك يعود إلى ركود اقتصادي شديد و26 شهرا متواصلة من أسوأ فضيحة سياسية في التاريخ الحديث للبرازيل. ولكن في التاسع من مايو، نجح خبر غير عادي في لفت انتباه الرأي العام البرازيلي. ففي ذلك اليوم، نشرت إحدى كبريات الشركات البرازيلية رسالة مفتوحة موجهة إلى الرأي العام. الرسالة حملت عنوان «اعتذار وبيان من أجل برازيل أفضل» وجاءت في 770 كلمة، طلبت شركة «كونسترتورا أندراري جوتيريز إس إيه» العملاقة للبناء والهندسة الصفح من البرازيليين عن دورها في فضيحة احتيال وفساد بمليارات الدولارات في شركة «بيتروبراس» النفطية المملوكة للدولة.

طلب الصفح هذا لم يكن عفويا، حيث كان «سيرجيو مورو»، القاضي الفيدرالي الذي يشرف على ما يسمى قضية «غسيل السيارات» حول الفساد في «بيتروبراس»، قد أمر الشركة بالاعتراف بكل المخالفات القانونية التي ارتكبتها، وقد شكّلت الرسالةُ المفتوحةُ – إلى جانب غرامة بقيمة نحو 286 مليون دولار ووعد بإصلاح إجراءات وممارسات الشركة – جزءا من تكفيرها عن الخطأ. غير أن حقيقة أن إحدى كبريات شركات أميركا اللاتينية اعترفت بـ«أخطائها» ووعدت بـ«جبر خسائر البلاد والشركة» تمثل نقطة تحول كبرى في البرازيل. بل إن اعترافات الشركات قد تصبح النوع الجديد في الرسائل الأميركية اللاتينية. وبينما كنتُ أقرأ اعتراف الشركة البرازيلية بأخطائها الأسبوع الماضي - أسبوع تورط خلاله برلمانيون كبار في فضيحة بيتروبراس وأُمرت خلاله الرئيس ديلما روسيف بالخضوع للمحاكمة بتهمة التلاعب في حسابات حكومية بالاحتيال - لم أملك إلا أن أستحضر رسالة أخرى شكلت نقطة تحول كبرى أيضا.

كان العام 2002 وكان لولا دا سيلفا، اليساري صاحب الصوت الجهوري الخشن، متقدماً في السباق للرئاسة، الأمر الذي كان يثير استياء الطبقة المتوسطة البرازيلية، وخاصة نخبة الشركات. فكتب «لولا» رسالة إلى الشعب البرازيلي، تخلى فيها عن خطابه المنتقد للرأسمالية لمصلحة تعهد باحترام حرية الأسواق، وتسديد ديون البرازيل، واحتواء التضخم، وانتهاج تقشف مالي. والواقع أن الأمر لم يكن يتعلق باعتراف من قبل «لولا» بقدر ما كان يتعلق بمحاولة تسويق نفسه بشكل جديد، وقد نجح في ذلك حيث فاز «لولا الجديد» في الانتخابات، ثم أعيد انتخابه لولاية ثانية، وبعد ذلك، راح يقود خليفتَه المنتقاة روسيف من انتصار إلى انتصار، في 2010 و2014، متوجا حكم أطول سلالتين سياسيتين حكمتا البرازيل منذ عودة الديمقراطية في 1985.

علينا أن ندرك أن قرابة اثنتي عشرة من كبريات الشركات البرازيلية متورطة في تحقيق «غسيل السيارات»، وبعض هذه الشركات تم سجن مدرائها. ونظرا للضرر الذي لحق بسمعتها والشلل الذي أصاب بعض الأشغال العمومية، أخذت الكثير من هذه الشركات تفقد مداخيلها وتقلّص وظائفها، حيث تشير أرقام اتحاد شركات الأشغال العمومية في ساو باولو إلى أن قطاع البناء الوطني قام بتسريح 415 ألف عامل بسبب تراجع المداخيل بـ7.5 في المئة العام الماضي.

مصدر القلق الأكبر الآن هو كيف يمكن للبرازيل أن تستوعب وتحيط بكل جوانب أكبر قضية فساد في تاريخها من دون أن تفاقم أسوأ أزمة اقتصادية تشهدها منذ «الركود الكبير» في أواخر العشرينيات وأوائل الثلاثينيات. «جويل فيلاسكو» يعبّر عن المأزق البرازيلي الصعب بكلمات تنهل من المعجم الحربي إذ يقول: «علينا أن نكتشف كيف يمكن لهذه الشركات، وبعضها شركات جيدة، البقاء والاستمرار في هذه الأوقات العصيبة»، مضيفا «في الوقت الراهن، يريد البرازيليون التحقيق مع الجميع وفي كل شيء، وهذا حقهم. ولكن إذا كان يراد للبلد أن يتعافى، فإننا سنكون في حاجة للمصالحة وإعادة الإعمار في مرحلة ما». وقد يكون هذا هو موضوع الرسالة المفتوحة المقبلة التي ستوجه للبرازيليين!

*كاتب متخصص في شؤون أميركا اللاتينية

ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست وبلومبيرج نيوز سيرفس»

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

هل يتبنى ترامب مواقف أكثر توازناً ،خاصة تجاه الشرق الأوسط، بعد توليه الرئاسة الأميركية ؟!

نعم
لا