• الجمعة 10 ربيع الأول 1438هـ - 09 ديسمبر 2016م

ميزان العدالة

نار الانتقام

حجم الخط |


تاريخ النشر: الجمعة 07 مارس 2014

أحمد محمد

اشتد الحوار بين «فرج» ووالد زوجته على الرغم من أن الأسباب الظاهرة تافهة، ولم يكن هناك ما يدعو لذلك، لكن الكامن في النفوس تحرك وخرج ليتحول الحديث المجرد إلى شجار وسباب ثم تشابك بالأيدي، فشل الحضور في تهدئة الموقف فكلاهما يلجآن إلى التصعيد أكثر، اشتعلت المعركة الكلامية فقام فرج بضرب حماه بشومة على رأسه ضربة أفقدته الوعي، كسرت عظام جمجمته، وأودت بحياته خلال دقائق معدودة، سكت الجميع ولاذوا بالصمت الرهيب، تحدق عيونهم في مشهد الدم والجثة على الأرض، تجمع الكثيرون وفي لحظة كان الخبر قد انتشر في القرية انتشار النار في الهشيم، لم يتخلف عن الحضور إلا أقارب فرج ابتعدوا واختفوا خشية الانتقام من أحدهم.

الخوف من التبعات

تعكر الصفو وامتلأت القرية برجال الشرطة والنيابة والأدلة الجنائية والطب الشرعي في مشهد مخيف ليس فقط مما حدث وما يحدث الآن، ولكن من التوابع وما سيقع بعد ذلك، كانت الجنازة حارة والقلوب ترتجف، لا أحد ينطق بكلمة واحدة، ربما يحاول أحدهم أن يستعيذ بالله من الشيطان الرجيم لكن من دون أن يرفع صوته، آخر يضرب كفا بكف متعجبا مما حدث ومستنكرا كيف يقتل رجل والد زوجته ولم يفكر في مصير الجميع بعد ذلك، خاصة أن ما حدث بينهما لا يدعو إلى هذا العنف، إمام المسجد كان الوحيد الذي رفع صوته ليسمعه الناس وهو يقول «إنا لله وإنا إليه راجعون»، ثم يطلب من الشباب تقريب الجثمان للصلاة عليه، ثم يعرفهم بكيفية صلاة الجنازة لمن لا يدري، وبعدها يحملون الجثمان إلى المثوى الأخير.

بعد العودة من المقابر كان التصرف معروفا بينما الجميع ينتظرون سماع صوت العقل، لكن ما حدث كان متوقعا، فقد رفض أقارب القتيل إقامة سرادق أو تلقي العزاء وهذا يعني في أعرافهم أنهم يعتزمون الثأر له، وبعد أن ينتقموا من قاتله أو أحد أقاربه حينها يتقبلون العزاء حتى ولو بعد حين من الدهر، في هذه الحالات لا يستطيع أحد أن يتدخل للصلح لأن النتيجة معروفة مسبقا وهي الرفض التام لأن لديهم قاعدة بأنه لا تصالح في الدم، لذلك اصبح من المعروف والمنتظر المزيد من الدماء والثأر.

الآن تذكر الجميع أحداث الماضي القريب والبعيد، فقد كانت بين عائلتي القاتل والقتيل سنوات طويلة من الثأر والانتقام والقتل، استمرت لعقود عدة، توارثتها الأجيال، وقضت على الأخضر واليابس، لا أحد يعرف على وجه التحديد أعداد الذين قتلوا في هذه «الحرب» الطويلة، كانوا فرادى وجماعات، ومنهم من مات في السجون، وتم احتسابه ضمن القتلى، ويتم الانتقام لهم. تعب الجميع وتأثرت أحوالهم المعيشية بل تدهورت ولم يعد من بين أبنائهم من نال أي قسط من التعليم لأنهم كانوا متفرغين للقتال، وهذا كله جعلهم يثوبون إلى رشدهم مضطرين لقبول أول بادرة للمصالحة، ولا داعي للنظر إلى الخلف بغض النظر عما أسفرت عنه الأعوام الماضية، فالجميع خاسرون في النهاية والنتيجة ليس فيها رابح.

احتفال المصالحة ... المزيد

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

هل يتبنى ترامب مواقف أكثر توازناً ،خاصة تجاه الشرق الأوسط، بعد توليه الرئاسة الأميركية ؟!

نعم
لا