• الاثنين غرة ذي القعدة 1438هـ - 24 يوليو 2017م
  10:34    لقاء بين السراج وحفتر الثلاثاء بالقرب من باريس        10:34     مقتل ما لا يقل عن 24 شخصا وإصابة 40 في تفجير كابول     

أنا في جزيرة إذن أنا وحيد

عزلة الكائن

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 12 يناير 2017

د. العادل خضر

يعتبر نقّاد السّينما أنّ فيلم (المنبوذ -Cast Away)، للمخرج روبرت زيميكيس، وبطولة توم هانكس، يمثّل الصّيغة السّينمائيّة الحديثة لرواية (دانيال ديفو Daniel Dufoe) الشّهيرة: روبنسون كروزو. وبطل هذا الفيلم ليس بحّارا مغامرا كسلفه روبنسون كروزو، إنّما هو موظّف في شركة طيران (فيداكس - Fedex)، يدعى (تشاك نولاند -Chuck Noland)، دُعِيَ ليطير في المساء في رحلة استعجاليّة إلى ماليزيا، ليلة عيد ميلاد المسيح، وقد كان يحتفل به وقتئذ مع خطيبته رفقة عائلتها. وغادر تشاك لوس أنجلوس على متن طائرة صغيرة في سفرة كان من المفروض أن تدوم أربعة أيّام، يعود بعدها ليحتفل برأس السّنة مع خطيبته. غير أنّه أثناء الطّيران فوق المحيط الهادي ضرب البرق بشدّة، فأصيب المحرّك بعطب خَطِرٍ، نجم عنه سقوط الطّائرة وتحطّمها بمن فيها من طاقم وما فيها من حمولة. فلم ينج أحد إلاّ تشاك، الّذي وجد نفسه في إحدى جزر (فيدجي îles Fidji)، من المحيط الهادي، الخالية المهجورة، لا أنيس فيها ولا رفيق، وقد أحيط بحواجز طبيعيّة من الصّخور المرجانيّة. وإذا كان روبنسون كروزو قد فاز برفيق بشريّ هو (جمعة)، فإنّ تشاك لم يجد شيئاً يرافقه سوى كرة طائرة سمّاها ويلسون. وخلال أربع سنوات متتاليات حاول تشاك أن يتكيّف مع الطّبيعة القاسية ويواجه محنة العزلة الرّهيبة، قبل أن يتمكّن من عبور المحيط في قارب والعودة إلى دياره.

من الطّريف أن يُترجم عنوان الفيلم الإنجليزيّ Cast Away في النّسخة الفرنسيّة بعبارة (Seul au monde)، أي (وحيد في العالم) أو (وحدي في العالم). وهي العبارة نفسها الّتي افتتح بها الفيلسوف الفرنسيّ الرّاحل جاك دريدا Jacques Derrida آخر ندوة قدّمها في مدرسة الدّراسات العليا في العلوم الاجتماعيّة بباريس. وكانت بعنوان (الوحش والعاهل - La bête et le souverain)، وقد دامت ثلاث سنوات من خريف 2001 إلى ربيع 2003، وصدرت بعد موته في مجلّدين ضخمين.

ما هي الجزيرة؟

افتتح جاك دريدا الحصّة الأولى (بتاريخ 11 ديسمبر 2002) بهذه الجملة (أنا وحيد «ة»). ولكنّه بعد أن يربطها بجملة أخرى (أنا سئمت) يتساءل: هل كان روبنسون كروزو يشعر بالسّأم؟ وهل كان وحيداً، هذا الرّجلُ؟ لأنّه على حدّ علمه لم يُكتب شيء عن امرأة وحيدة، مثل جزيرة، في جزيرة. ثمّ وهو يستعيد الجملة الّتي بدأ بها النّدوة نراه يكملها بكلمة أخرى فتصبح «أنا وحيد في العالم»، كأنّه يرجّع مثل الصّدى عنوان الفيلم Cast Away، (وحيد في العالم). فبهذه الطّريقة، أو بهذا البروتوكول الّذي يتوخّاه دائما دريدا في ندواته أو مقالاته، ببعثرة بعض الكلمات واستقبالها مثل رمية النّرد، يهيّئ سامعيه لتلقّي المسائل الّتي سيطرقها. وهو حين يشرع في تقليب عبارة (أنا وحيد في العالم) على وجوه شتّى، فإنّه بهذا المسلك يحدّد موضوع ندوته. وقد اختار في تلك السّنة أن يكون موضوعها حديثا عن العالم بكلّ معانيه، وكلّ العوالم. بعد ذلك يطرح السّؤال الّذي يعنينا: ما هي الجزيرة؟

لا يجيب دريدا على نحو مباشر عن هذا السّؤال، لأنّ الجزيرة ليست ماهيّة حتّى نجيب بقولنا «الجزيرة هي...»، وإنّما هي مرتبطة بمسألة العالم. فأن يكون الإنسان في جزيرة (خالية من البشر) يعني أنّه وحيد في العالم. بخلاف الوحوش، فهي ليست وحيدة. فهذه الجملة: (الوحوش ليست وحيدة) تدلّ على أنّ علاقة الإنسان بالعالم مختلفة تماماً عن علاقة الحيوان أو الحجارة به. ويحيل دريدا بهذا الاختلاف بين الكيانات على ندوة قديمة للفيلسوف الألماني مارتن هيدغر عقدها سنة (1929-1930)، وصدرت بعد ذلك في كتاب بعنوان «متصوّرات الميتافيزيقا الأساسيّة: العالم والتّناهي، والوحدة». وفيها صاغ هيدغر العلاقات المختلفة الّتي يعقدها الجماد كالحجر، والحيوان والإنسان بالعالم، في عبارة جامعة تقول: «الحجر لا (عالم) له، والحيوان فقير من (العالم)، والإنسان يصوغ (العالم)». فإذا كانت الوحوش لا تشعر بالعزلة ولا بالوحشة بما أنّ (الوحوش ليست وحيدة)، فإنّ الإنسان، في المقابل، هو الكائن الوحيد الّذي يشعر بالوحدة، أو يعي بأنّه (وحيد في العالم). فرغم أنّ الإنسان والحيوان يقيمان في نفس العالم، فإنّ تجربتهما الموضوعيّة في العالم مختلفة على نحو جذريّ. فهما يقيمان في عالم واحد ولكن بتجربتين مختلفتين. وهذا يُفضي إلى أنّ الإنسان والحيوان لا يسكنان في نفس العالم، فهما لا يُقيمان فيه بنفس الطّريقة، لأنّ عالم الإنسان لا يطابق عالم الحيوان. ورغم وجوه التّشابه والاختلاف، فإنّ الحيوان بأنواعه المختلفة والإنسان بثقافاته المتنوّعة يعيش كلاهما في عالمين لا يمكن لأيّ طرف منهما أن يقيم في عالم الآخر. فالحدود بين عالم الإنسان والحيوان منيعة يستحيل اختراقها، وإن كان القاسم المشترك بينهما هو أنّهما من الكائنات الحيّة الّتي تخوض بطرق مختلفة تجربة الموت. ... المزيد

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا