• الأربعاء 08 ربيع الأول 1438هـ - 07 ديسمبر 2016م

سعي الصين الذي لا يلين لنيل القبول والحظوة في أوروبا بدأ يؤتي ثماره، خاصة في الأجزاء الأكثر ضعفاً وحاجة للأموال الاستثمارية في القارة الأوروبية

الصين.. بوادر للتحالف مع أوروبا

حجم الخط |


تاريخ النشر: الأحد 15 مايو 2016

ليونيد بيرشيدسكي*

إذا كانت هناك وجهة نظر يتفق فيها الأوروبيون مع دونالد ترامب، فهي من دون شك تلك التي تشير إلى أن الولايات المتحدة تفقد نفوذها في أوروبا تدريجياً لمصلحة الصين. واليوم، تعمل «المملكة الوسطى»، (وهو الاسم الذي كان يطلق على الصين خلال الألفية الأخيرة قبل الميلاد)، بعزيمة لا نظير لها لتجميل صورتها في أوروبا واستثمار مبالغ مالية ضخمة في هذا السبيل. وربما لا زالت الملكة البريطانية تحمل الشعور بأن الصينيين «يعانون من الافتقار المفجع إلى التهذيب»! إلا أن الحقيقة تؤكد أنهم يكسبون المزيد من الأصدقاء والنفوذ خارج قصر باكينجهام.

وفي عام 2015، أظهر استطلاع آراء نظمته «مؤسسة بيو للبحوث» أن الغالبية العظمى من سكان أهم الدول الأوروبية يعتقدون أن الصين في طريقها لخلافة الولايات المتحدة كقوة عالمية عظمى، وربما تكون قد أصبحت كذلك بالفعل. وأشارت الدراسة ذاتها إلى أن أعداداً متزايدة من المواطنين الألمان والفرنسيين يعتقدون أن الصين هي التي أصبحت تمثل الاقتصاد القيادي في العالم بدلاً من الولايات المتحدة. حدث هذا قبل ظهور المشاكل الاقتصادية الراهنة التي تعاني منها الصين، إلا أن تلك المشاكل لم تغير كثيراً من الشعور القوي لدى عامة الأوروبيين من أن الحجم الاقتصادي الحقيقي للصين وسرعة انتشار البضائع والسلع الموسومة بعبارة «صُنع في الصين» في مخازن البيع الأوروبية، وحيث لا يمكنك أن تعثر فيها على بضائع أميركية مشابهة، يمكنها أن تعزز هذا الشعور لدى الأوروبيين. ولا يبدو أن أياً من هذه الاعتبارات يدفع الأوروبيين إلى الإحساس بالفرح. وبشكل عام، يمكن القول إنهم لا زالوا يكنّون للصين من مشاعر عدم الثقة ما يفوق ما يكنّونه للولايات المتحدة وفقاً لاستطلاع «بيو». وقد أظهر الاستطلاع أن 83% من الإيطاليين و50% من الألمان لا زالوا يحتفظون بنظرتهم التفضيلية للولايات المتحدة مقابل 40% و34% على الترتيب يفضلون الصين. وعلى رغم هذه النتيجة، فإن النظرة التفضيلية للصين اتجهت نحو التحسّن في السنوات الأخيرة.

وإلى حدّ ما، يمكن أن تُعزى القفزة التفضيلية الإيجابية إلى انفتاح الأوروبيين بشكل أكبر على الشعب الصيني. وقد تضاعف عدد السيّاح الصينيين إلى أوروبا خلال السنوات الأربع الماضية. ونصف هؤلاء السياح من مواليد القرن الجديد، وهم الذين يحتكمون إلى أفكار مشتركة مع نظرائهم من جيل الشبان الأوروبيين بأكثر من آبائهم. وهم أكثر تمسكاً بالحرية وميلاً لحب الحياة وتبادل مشاعر الود مع الآخرين. وهناك أيضاً المهاجرون الصينيون الذين احتلوا مرتبة ثاني أضخم مجموعة من المهاجرين الجدد إلى دول الاتحاد الأوروبي العام الماضي بعد الهنود، لو أغفلنا من الحساب أعداد النازحين من منطقة الشرق الأوسط. وكثيراً ما يُلاحظ أن الدكاكين الصغيرة المتجاورة في مدن أوروبا يديرها صينيون لأنهم تعوّدوا على المثابرة ومواصلة العمل عندما يغلق نظراؤهم الأوروبيون متاجرهم. ولعل الأهم من كل ذلك هو الأموال الصينية التي بدأت بالتدفق على أوروبا، لأن الصين تجد فيها المكان المفضل للاستثمار المباشر لأموالها. وخلال العام الماضي، ضخّت الشركات الصينية مبلغاً قياسياً وصل إلى 23 مليار دولار في دول الاتحاد الأوروبي مقابل 15 مليار دولار في الولايات المتحدة. ولا تزال الاستثمارات الأميركية في أوروبا أكثر من ذلك بكثير. وخلال العام الماضي، تعدّت 193 مليار دولار وفقاً لبيانات رسمية صادرة عن وزارة التجارة الأميركية. وفي بعض الدول الأوروبية، كان من الواضح أن نشاط المستثمرين الصينيين متفوقاً على نشاط نظرائهم الأميركيين. ففي إيطاليا مثلاً، وهي الدولة الأكثر تفضيلاً للصينيين، بلغت المساهمة الصينية في الاقتصاد المحلي 7,8 مليار دولار بالمقارنة مع 434 مليون دولار فقط من الولايات المتحدة. واستأثرت فرنسا أيضاً باستثمارات صينية تفوق الأميركية.

ويتم تشغيل معظم الاستثمارات الصينية في القطاع العقاري والفنادق والبنى التحتية. ويبدو وكأن الاهتمام الاستثماري الصيني يتركز على البلدان التي يفضل السيّاح الصينيون زيارتها على رغم أن هناك ما هو أبعد من ذلك. ومع تنامي اهتمام الصين بزيادة نفوذها وقوة تأثيرها في العالم الغربي، أثبتت أوروبا أنها الأكثر احتفاء بالصينيين من الولايات المتحدة.

* محلل سياسي روسي مقيم في برلين

ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست وبلومبيرج نيوز سيرفس»

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

هل يتبنى ترامب مواقف أكثر توازناً ،خاصة تجاه الشرق الأوسط، بعد توليه الرئاسة الأميركية ؟!

نعم
لا