• الثلاثاء 04 صفر 1439هـ - 24 أكتوبر 2017م
  03:21     انتخاب شويبله رئيسا للبرلمان الألماني    

«تدبير منزلي» رواية عن حياة الريف الأمريكي

الحياة مع أجيال مختلفة

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 06 مارس 2014

مفيد نجم

تتجلى أهمية مشروع كلمة للترجمة في الإضافات التي استطاع أن يقدمها للقارئ العربي خصوصاً، وللثقافة العربية عموماً، سواء على صعيد الأعمال الأدبية والثقافية والفكرية العالمية، لتحقيق التواصل والغنى المعرفي عند القارئ العربي، أو على مستوى تعزيز الحوار بينه وبين الثقافات الإنسانية المختلفة المصادر والمشارب. ضمن سلسلة الأعمال الروائية التي صدرت عن المشروع رواية تدبير منزلي للروائية الأميركية مارلين روبنسون وترجمة سامر أبو هواش.

رواية المهمشين

تدور أحداث الرواية في منطقة معزولة من الريف الغربي الأميركي، هي بلدة فينغربون التي تروي حياة عائلة الجد عامل السكك الحديدية، الذي يختفي بعد بناء البيت بصورة مفاجئة، لترثه زوجته ومن بعدها ابنتها، التي انتحرت غرقا تاركة وراءها ابنتيها الصغيرتين اللتين عاشتا في البداية مع عمتي والدهما، لترحلا بعد أن حضرت خالتهما سيلفي. تتسم طبيعة العائلة وسلوكها بالغرابة، فبعد اختفاء الجد المفاجئ تنتهي الأم بالانتحار غرقا في البحيرة المجاورة للبلدة، بينما لا تختلف الطفلتان اللتان خلفتهما وراءها وخالتهما التي تتركهما أمهما لها عن الأم من حيث الرغبة في العزلة عن سكان البلدة، والسلوك الغريب في حياتهما وفي علاقتهمامع المحيط الاجتماعي.

تبدأ الرواية بجملة استهلال تتولى فيه بطلة الرواية الأولى الأخت روثي، التي تقوم بوظيفة سرد وقائع حياتهما في تلك المنطقة المعزولة، التي تتميز ببردها وثلوجها وعالمها الريفي الفقير، تبدأ بالتعريف بشخصيتها وتقديمها إلى القارئ «سمي روثي نشأت مع أختي لوسيل في كنف جدتي السيدة سيلفيا فوستر، وعقب وفاتها في كنف أختَي زوجها السيدتين ليلي ونونا فوستر وبعد فرارهما في كنف ابنتها السيدة سيلفي فيشر. وقد عشنا مع هذه الأجيال المختلفة من النسوة اللواتي يكبرننا سنا في منزل واحد هو منزل جدتي الذي شيده لها زوجها إدموند فوستر موظف السكك الحديدية». بهذا التكثيف الشديد تقدم الساردة دورثي موجزا كاملا عن البيئة الاجتماعية والحياة التي عاشتها مع شقيقتها لوسيل بطلة الرواية الثانية، التي سوف تفترق عنها، وتفقد كل أثر لها بعد فرارها مع عمتها لوسيل من البلدة إلى حياة التشرد. مصائر مأساوية حزينة تنجو منها شقيقتها لوسيل عندما تقرر مغادرة بيت العائلة، والعيش مع أسرة تحتضنها وتقدم الرعاية لها، في حين تشكل روثي مع خالتها التي تشبه أمها ثنائيا غريبا تلعب فيه العمة سيلفي دورا مركزيا من حيث تحديد مصير روثي ودفعها إلى حياة التشرد بعد أن يحاول مأمور البلدة وبعض الأسر تقديم العون لهما لمساعدتهما على الاندماج مع سكان القرية والتخلص من تلك الأفعال المثيرة كالنوم في الغابة، أو في مركب مسروق في البحيرة.

رواية الواقع والتفاصيل

يتميز السرد الحكائي في الرواية بطابعه الواقعي التقليدي الخطي التتابعي والتصاعدي، إضافة إلى انشغاله الكبير في استحضار التفاصيل الدقيقة للأحداث والأماكن التي تعيشان أو تتنقلان فيها، حيث تتولى دورثي البطلة المشاركة في أحداث الرواية مهمة سرد وقائعه وأحداثه والتعريف بشخصياته. تدور أغلب أحداث الرواية في بيت العائلة الذي تتعاقب على سكناه أجيال وشخصيات مختلفة لاسيما بعد وفاة الوالدة من دون أن يطال المكان أي تحديث ما يجعله يشي بآثار الزمان والطبيعة والإهمال.

كان ثمة في عمق الحجرة باب ينفتح على رواق فرش بسجادة، ولم يكن يفتح أبدا فقد أقفل في الحقيقة بكنبة خضراء شديدة الضخامة بشعة تبدو وكأنها رفعت من عمق أربعين قدما من المياه، إضافة إلى مقعدين طيني اللون وضعا متقابلين وعلق أعلى الجدار نصفا أوزتين بريتين من السيراميك في وضعية الطيران). يتسم الراوي البطل في هذه الرواية بالموضوعية في سرده للظواهر الخارجية والدرامية التي تعيشها الشقيقتان وخالتهما فهي لا تروي إلا ما تقوما به من أفعال وما تشاهده من أحداث، في حين أن السرد بصيغته المقدمة فهو موجه إلى متلق مباشر، كما يظهر في صيغة الخطاب (وقل انحنت مقطوعة النفس ـ ولنقل إن الثلج القديم ـ وقل إنها حين علقت). أما المكان فهو يتسم بصفاته الاجتماعية، إذ لا يظهر إلا من خلال حياة العائلة والأحداث التي تجري داخله، أو قد تمتد قليلا إلى الأماكن المجاورة له كمحطة سكك الحديد والبحيرة والجسر الذي يمتد فوق البحيرة، لكنها أماكن لا تظهر إلا من خلال حركة الشخصيات، التي تتحرك فيها وتخترقها.

رواية ريفية

تدور أغلب أحداث الرواية داخل البيت أو في الطبيعة التي تهرب إليها الأختان ثم الراوية روثي وخالتهما بعد ذلك. ولأنها رواية ريفية فهي تركز على وصف الطبيعة في تلك المنطقة وعلى كيفية التولات التي تطرأ على الطبيعة أثناء تعاقب الفصول خلال العام. لكن هذا الوصف لا يتم تقديمه بمعزل عن علاقته بالناس وتأثيره عليهم، ما يجعل المكان في هذه الرواية هو مكان اجتماعي بامتياز. تلاحق لعنة الأم الفتاتين من حيث طبيعة مزاجهما وسلوكهما الغريب وميلهما إلى حياة العزلة. وفي حيت تستطيع الأخت الثانية سيلفي أن تنجو من هذه اللعنة عندما تقرر العيش مع أسرة أخرى لكي تتابع دراستها، فإن روثي تظل واقعة تحت تأثير الخالة لوسيل. تقرر الخالة ووروثي القيام بإشعال منزل العائلة والفرار من المنطقة، قبل أن يعرف سكان القرية بأمرهما. هذا السلوك بقدر ما يعبر عن طريقة تفكير الخالة وروثي الغريب، فإنه يكشف عن محاولتهما التخلص من هذا الإرث العائلي، والعيش حياة المتشردين من دون انتماء إلى مكان محدد، يمكن أن يلزمهما بتقاليد وارتباط ما، وكأنهما بذلك تريدان التخلص من ذكرى الأهل والعائلة. الحديث عن الجوانب الإيجابية للمشروع لا تنفي وجود بعض الملاحظات، التي يمكن لنا أن نسجلها على بعض منشوراتها، وفي المقدمة منها قضية اختيار الأعمال الأدبية العالمية للترجمة، ومسألة التدقيق اللغوي التي وجدنا أن بعض الأعمال الروائية تفتقد إليها، ما أوقع تلك الترجمات في عدد لا يستهان به من الأخطاء اللغوية والنحوية التي أساءت بلا شك لجودة الترجمة وعملية التلقي، ومنها هذه الرواية.

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا