• الثلاثاء 07 ربيع الأول 1438هـ - 06 ديسمبر 2016م

الشموع وطاقات الورد أخذتني إلى أصواتهنّ

غواصات في «بحر الثقافة»

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 06 مارس 2014

شهيرة أحمد

الشموع المتراقصة في ضوء المساء وطاقات الورد التي تحيط خصر المكان، كما يحيط عريس خصر عروسه في حلبة رقص، دلتني على مكانهنّ وأخذتني إلى أصواتهنّ. لم يكن ذلك المساء الظبياني في الحسبان حين مضيت إلى «بحر الثقافة»، الصالون الثقافي للشيخة روضة بنت محمد بن خالد آل نهيان الذي يلتئم في العاصمة أبوظبي كل شهر تقريباً، والذي بات معلماً من معالم الفعل الثقافي المنحاز إلى الإبداع الروائي.

بالطبع، كنت أتوقع مساء جميلاً وثرياً صحبة مجموعة من السيدات المهمومات بالثقافة وشؤونها.. كنت أتوقع نقاشاً صاخباً تتصادم فيه الأفكار وتتصارع الرؤى، ففوجئت بأنني أمام حلقة نقاشية تدير الكلام على هوى المحبة.

خمس وثلاثون امرأة، من مشارب شتى، جمعهن شغف المعرفة، وحب القراءة، ونسجت المحبة شالها بينهنّ. جئن إلى «البحر» يبحثن عن الدرّ الكامن فيه.. يغصنَ بين الحروف والكلمات ليصطدن ما خفي منها. يتحلقن في كل شهر مرة، حول رواية ما قرأنها لكي يناقشنها، مبرزات ما لها وما عليها.. في أجواء حميمة، في طقس جمالي أخاذ لم تصنعه الشموع والورود وما تحمله من دلالات الرومانسية فقط، بل صنعته أرواحهن القادرة على حب الآخر، وتذوق الجمال، والإصغاء إلى ما فيه من عذوبة.. وحين ترتقي الروح وتذوق المحبة ترتقي الذائقة وهي ترتشف الجمال في كل شيء.

جمال الأرواح

نادرات في جمالهنّ الثقافي بَدَوْنَ لي. لا مكان هنا لغيبة ولا نميمة.. محبة طافحة للكاتبة والرواية وحفاوة بالغة بإنجازها الذي اعتبرنه إنجازاً للمرأة الإماراتية. حضورهن الفاغم في مناقشة تفاصيل التفاصيل لم يقلّ أهمية، في تقديري، عن حضور المرأة المميز في الرواية نفسها. أما جمالهنّ الروحي فطغى على كل ما عداه من جمال. هنا، تتوهج جماليات القلب وتزدهر عطور لا تمت بصلة إلى (ماركات) العطور المعروفة، عطور من نوع آخر، تبث عبقاً من الداخل.. عطور الوعي الساكن في تلافيف الذاكرة أو المسافر في مدارات المعنى إلى حيث ترتاح الكتابة بين أصابع الكاتبة مريم الغفلي، التي كانت روايتها «نداء الأماكن - خزينة» محور حديث صالون «بحر الثقافة».

لا مجال في الكتابة عن هذا الجمع النسوي الجميل لبدء وخاتمة. فكل بداية هنا تصلح خاتمة هناك، والعكس صحيح. تبدأ إحداهن القول وتهديه للأخرى.. وبينما كان «الميكروفون» ينتقل من يد إلى يد، كانت عيناي تتنقلان بينهن.. أتابع تعبيراتهن الفائضة بالود العميق. هنا النقد لا يجرح، بل يقال بكل ما يمكن من المحبة والاحترام لتجربة الكاتبة.. هذا نقد المُحِبّات إن جازت لي العبارة، يتواضعن كثيراً وهن يبدين ملاحظة هنا أو هناك واضعات الكلام بين قوسين في صيغة (هذه وجهة نظري) أو (هذا رأيي).. هكذا، بأريحية واضحة يتقبلن بعضهنَّ. يشددنَ أزر الكلام ليبوح بالحنين الغافي بين الحروف.. يطلقن عصافير البوح لتلتقط حبوباً تناثرت من الذاكرة.. كل واحدة منهنَّ وجدت في الرواية ما يذكرها بشيء ما.. قصة، حكاية، مكان ينهض من أدغال الحنين.. وجه يطل من مجاهل النسيان.. الحاضرة الكبرى في كل هذا كانت هي الإمارات.. الإمارات تبدّت بكل موروثها وميراثها.. برمالها وصحرائها وغافها وطيورها وتهاليل الأمهات للأطفال كي يناموا.. الإمارات/ الأرض والإنسان بشوقه وتوقه وسماحته وحبه اللامحدود للحياة.. الإمارات ببساطتها المعلنة التي تتسرب على شفاههن مثل أغنية عذبة يرددها العاشق في ليل الصحراء الدامس، يسلّي بها الروح ويستعين على وجع الفرقة بوجه الحبيبة... بتعويذة قديمة بالغت في التجلي وحضرت بكل أبهتها ورونقها... الإمارات بلهجتها المحكية التي أضافت إلى خزينهن المعرفي ملفوظات أخرى، ودلالات تتواتر ثم تتوزع في دوائر المعنى، مثل أسراب النوارس في صباح شتائي دافئ. ... المزيد

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

ما رأيك في استغلال المنابر الدينية في الشأن السياسي؟

مقبول
مرفوض
لا أعرف