• الاثنين 06 ربيع الأول 1438هـ - 05 ديسمبر 2016م

العالم موحش وفقير خارج التخييل

السرد والهوية.. أو «أشباح» التاريخ

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 26 فبراير 2015

سعيد بنگراد

قد لا يحيل هذا البوح الاستثنائي في الظاهر إلا على ما يفصل بين «حقائق» التاريخ، وبين ما يأتي من عوالم التخييل المتنوعة، لكنه يشير في واقع الأمر إلى واجهات الهوية وامتداداتها في كل المُنتج الرمزي. فما بين الرصد الموضوعي لوقائع فعلية قابلة للتصنيف المفهومي، وبين استيهامات التمثيل السردي، هناك الحياة، ما يُصنف ضمن جزئيات الوجود الإنساني التي تتطور خارج المفاهيم وفي انفصال كلي عن تحديداتها المسبقة، ذلك أن ضرورات «التبسيط الزمني» وحدها تدفعنا إلى القبول بمقايضة غنى الوجود بمفاهيم تجريدية تحل محله.

إن ما يزدريه المؤرخ أو لا يثير اهتمامه هو ما يشكل مادة السرد ومضمونه الفعلي. وهو ما يعني أن «أشباح» التاريخ ليسوا سوى شخصيات عارية من كل «التفاصيل» و»الهويات الاجتماعية» المخصوصة، لقد تنازلت عن انفعالاتها لكي تسكن ذاكرة زمنية من خصائصها أنها تُبَسط وتختصر وتُجرد. والحاصل أن المؤرخ يكتفي بـ»مفهمة» الشخصيات وتحويلها إلى بؤرة لمعنى التاريخ نفسه، فتلك غاياته من الحكاية، في حين يعيد لها السرد التخييلي ما ضيعته المفهمة وغطى عليه التجريد. فعَليُّ السرد لا يشبه إلا قليلا عَلِيَّ التاريخ، إن الأول قصة في الحياة، أما الثاني فعنصر داخل معادلات من طبيعة سياسية/ دينية أو مذهبية.

لذلك، لا ينصب الفصل بينهما على تقابل ستاتيكي بين ما ينتمي إلى «حقيقة» العلم، وبين ما يُصنف ضمن انفعالات خيال جامح لا تحكمه قيود أو ضوابط، بل هو في الأصل رابط لا يُرى بين «ديمومة» في الزمن، وبين ممكنات التطور داخله، أي بين التعبير عن «أنا» متفردة لا تشبه أحدا، وبين انتمائها إلى زمنية هي ما يحددها وما يُصَدِّق على مساراتها في الحياة، فعادة ما يدفعنا التساؤل عن هوية شخص ما إلى رواية أحداث قصة قد تستثير تاريخ الأمة كلها. فالاسم وبطاقة التعريف والانتماء الاجتماعي واجهات دالة على الوظيفة وحدها، أما تفاصيل الحياة فتستوعبها هوية تُبنى في تفاصيل الحكايات.

وما بين هذا وذاك لا يمكن للهوية أن تتبلور استنادا فقط إلى وقائع يُصَدِّق عليها العلم أو يجيزها التاريخ، كما لا يمكن أن تكون مجرد إخبار عن وضع اجتماعي، إنها تتشكل، إضافة إلى ذلك، ضمن كل ما يمكن أن تنتجه الممارسة، مجازا وحقيقة، وتحتفظ به الذاكرة باعتباره جزءا من تاريخ عام هو ما يسميه بول ريكور «الهوية السردية». فكثير من «الكبار» في السياسة والاقتصاد لا يفصلون، في سيرهم، بين وقائع تاريخ مفتوح على الماضي والمستقبل، وبين كم زمني معدود، هو ما تستثيره حياتهم.

سرديَّتان: طبيعية واصطناعية

و»السردية» في هذا السياق أوسع من مجرد ترتيب زمني لوقائع مصدرها التاريخ وحده، وأشمل أيضا مما يمكن أن يصنف ضمن الرواية والقصة ومشتقاتهما. إنها ما يصالح بين كل أنشطة الذهن في المفهمة والتشخيص على حد سواء، لذلك فهي تتسع لتشمل كل منتجات السرد، ما يشير إلى سرديات «طبيعية» تلتقط اليومي والحدثي المباشر، وما يُصنف ضمن «سرديات اصطناعية» تخلق عوالم تخييلية ممكنة تتطور ضمن معطيات الواقع، وفي انفصال كلي عنه في الوقت ذاته. إنها، في جميع هذه الحالات، الوسيلة الوحيدة التي من خلالها نُصَرف الزمن ونُسْكِنه انفعالاتنا. فالروح الإنسانة مودعة في مرويات هي الشاهد على معنى زمنية الحياة ذاتها (الدازين بمفهوم هايدجر)، إن الأمم «كيانات سردية»، كما يشير إلى ذلك إدوار سعيد. ... المزيد

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

ما رأيك في استغلال المنابر الدينية في الشأن السياسي؟

مقبول
مرفوض
لا أعرف