• الاثنين 03 صفر 1439هـ - 23 أكتوبر 2017م

يشعرون بالواجب تجاه من مزقت الحرب حياتهم

مراسلو الحروب... ضحايا من أجل الحقيقة

حجم الخط |


تاريخ النشر: الإثنين 27 فبراير 2012

قمتُ وماري كولفن بتغطية حربنا الأولى معاً في 1986 بعد أن قامت الولايات المتحدة بقصف ليبيا. كانت في الثلاثين، جميلة وطموحة وموهوبة. وسرعان ما كسبت ثقة القذافي ومساعديه وحولت قصص السبق الصحفي الذي حققته لصالح وكالة "يونايتد برس إنترناشيونال" إلى وظيفة كمراسلة خارجية لحساب "صنداي تايمز".

وقد رأيتها آخر مرة قبل عام في القاهرة خلال الثورة، كانت ثلاثة عقود من لعب دور الشاهد على الحروب بادية على وجهها: فقد استطعت تمييزها من بين بقية الوجوه من خلال القطعة السوداء التي على عينها، والتي دأبت على وضعها منذ أن دمرت قنبلة يدوية عينها اليسرى في سريلانكا عام 2001. كانت تبدو أكثر حزناً ووحدة، ولا غرو بالنظر إلى ما كانت تقوم به طيلة تلك السنوات.

فالمراسلون الآخرون يغطون الحروب لبضع سنوات ثم ينتقلون إلى شيء آخر، ولكن ماري جعلت من الحرب وظيفة ثابتة. فقد كانت موجودة على الخطوط الأمامية في العراق (خلال ثلاث حروب مختلفة)، والشيشان، وغزة، ولبنان، وأفغانستان، وسريلانكا، وليبيا، والعديد من الأماكن الأخرى. وتحدت الموت في العديد من المرات لدرجة أنها كانت تبدو خالدة أحياناً لا تموت. ولكن في يوم الأربعاء، جاءها القدر المحتوم وقُتلت بقذيفة أثناء تغطيتها النزاع في سوريا.

موتها جاء بعد أقل من أسبوع على موت أنتوني شديد، في سوريا أيضاً، حيث كان مراسل "نيويوريك تايمز" -وهو صديق من الأيام الخوالي وزميل سابق- قد تسلل إلى سوريا من أجل تغطية العنف هناك، ومات على ما يبدو نتيجة نوبة ربو بسبب خيول المرشدين الذين كانوا يدلونه على طريق العودة إلى تركيا. غير أن "ماري" ما كانت لتكون في طريق القذيفة، وما كان أنتوني ليكون بالقرب من تلك الخيول، لو أنهما لم يعتبرا أن من واجبهما إخبار العالم بحقيقة ما يجري للمدنيين السوريين.

ميزة أنتوني هي إجادته اللغة العربية وأناقة أسلوبه. فالناس في العالم العربي كثيراً ما كانوا يوصفون على نحو أحادي البعد في الصحافة الغربية، جزئياً لأن المراسلين لا يستطيعون التحدث معهم إلا عبر مترجم. ولكن أنتوني، الذي ولد في أوكلاهوما سيتي وتعلم في جامعة ويسكونسون في ماديسون، ذهب إلى القاهرة كمراسل لوكالة "أسوشييتد برس" عاقداً العزم على تعلم لغة أجداده واستعمال مهاراته لنقل تعقيدات الحياة في الشرق الأوسط. وفي أثناء سعيه للقيام بذلك، تعرض لإصابة في كتفه أثناء تغطية أحداث الضفة الغربية في 2002، كما ألقي عليه القبض من قبل الجيش الليبي واعتقل لأسبوع العام الماضي.

وكثيراً ما يطرح علي السؤال: لماذا يعرِّض الصحفيون أنفسهم للخطر طوعاً؟ الواقع أن أنتوني كان نجماً حيث سبق له الفوز بجائزة "بوليتزر" مرتين، ولم يكن لديه شيء ليثبته. ومن جانبها، كانت لدى ماري، وهي متزوجة ومن دون أطفال، تجربة في الحرب تفوق تجربة أي جنرال، ولكن لم تكن لديها أي رغبة في التوقف. وأعتقد أن من بين الأسباب التي تجعل المراسلين الحربيين يستمرون في أداء عملهم هو حقيقة أن ثمة إثارة في الخطر، إثارة يزيد منها الاقتراب من الموت. ... المزيد

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا