• الثلاثاء 27 محرم 1439هـ - 17 أكتوبر 2017م

اكسترا ميديا

حماية الصحفيين

حجم الخط |


تاريخ النشر: الإثنين 27 فبراير 2012

د . إلياس البراج

لا يكفل القانون الدولي حماية كاملة وصريحة للصحفيين، ولا تزال الإشارات «الخفيفة» عنهم في اتفاقيات جنيف وملحقاتها والبروتوكولين المتعلقين بها المرجع القانوني شبه الوحيد دولياً. وتنص المادة 79 من البروتوكول الإضافي الأول على أن الصحفيين يتمتعون بجميع حقوق وأشكال الحماية «الممنوحة للمدنيين» في النزاعات المسلحة الدولية، أي أن حماية الصحفيين مستمدة من صفتهم كمدنيين أكثر من كونهم أصحاب مهمة شاقة من الضروري وجودهم في أوقات النزاعات كشهود عيان ومراقبين حقيقيين. وحده المراسل الحربي (المعتمد كمرافق من القوى العسكرية) من بين الصحفيين - والذي جاء ذكره في تلك الاتفاقيات - يتمتع بميزة شبه وحيدة هي حقه في المعاملة القانونية كأسير حرب. وهذا النقص في التشريعات القانونية الدولية لا يمنع البعض من اعتبار الموجود كافياً لحماية الصحفيين. فالخبير القانوني وعضو المركز النرويجي لحقوق الإنسان، كجيل لارسون، يعتبر أن منظومة الحقوق التي أرستها الأمم المتحدة من خلال مؤسساتها المختلفة منذ تأسيسها وحتى الآن «جعلت كل الدول ملزمة قانونيا بأن تحمي الصحفيين من كافة أنواع الانتهاكات، من قبيل الاعتقال التعسفي أو المس بسلامتهم الجسدية».

ولكن قوة وصلاحية هذه المنظومة تعتبر هشة للغاية في حالة الدول التي تنتشر فيها انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان من قبيل التعذيب المنهجي والمس بالكرامة الإنسانية أو الخطف والقتل، سواء تعلق الأمر بالمدنيين عموما أو بالصحفيين كجزء منهم. كما أن مثل هذه الانتهاكات قد تظهر في غير أوقات النزاعات المسلحة، وفي غفلة عن الرأي العام وبطرق مواربة ومعقدة للغاية، مستفيدة من غياب أنواع خاصة من حصانة الصحفيين «الموضوعيين» الذين يسعون وراء المعلومات الحقيقية.

لا شك أن التمييز بين هؤلاء وبين بعض ممن يهون عليهم توظيف مهنتهم لاعتبارات غير صحفية ليس مضموناً في جميع الظروف والحالات. إلا أن ذلك لا يجب أن يكون ذريعة للاستهانة بأهمية وجود الصحفي «المحايد» في ميدان النزاعات، حيث يمكن أن يكون مشروع كنز لمعلومات تكشف الحقيقة.

إن مقولة إن الحقيقة هي الضحية الأولى والأكيدة للحروب والنزاعات ربما لم تكن لتلقى هذا الرواج لو أمكن توفير حضور الحروب من قبل هذا النوع من الصحفيين، وربما لأمكن اختصار الكثير من المآسي الإنسانية. وقد يكون اعتبار الصحفي «مجرد مدني» أمر سهّل النيل منه في الكثير من الحالات. والأخطر من ذلك أن هكذا اعتبار قد يسهّل التضحية به أحياناً.

في مرحلة تسعينيات القرن الماضي كنا نستهجن في البداية عندما كان كثير من الأكاديميين وزملائنا الغربيين يعتبرون خطف الصحفيين الأجانب والتهديد بقتلهم في لبنان ومناطق أخرى بمثابة تبادل للرسائل والحوار (تفاوض) بين الخاطفين و«المخطوف منهم». لكن هذا الاستهجان كان يختفي عندما تتبين الصفقات التي تنتهي بها بعض عمليات الخطف ومنها ما كان سياسي الطابع.

لا غضاضة في أن يكون الصحفي مغامراً ومضحياً ولكن من الخطر جدا أن يكون هدفاً «ثميناً» يحدث النيل منه ضوضاء كثيفة تساعد على الضغط السريع من أجل التوصل لشيء ما. وحتى لا يتحول بعض الزملاء لمجرد ضحية في «ألعاب الكبار» في أوقات النزاعات بات من الضروري أن يتمتع الصحفيون بأنواع خاصة من الحماية القانونية الدولية والاستثنائية، وعلّهم يساعدون عندها على التخفيف من حدة وكمية النزاعات القادمة.

[email protected]

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا