• الخميس 09 ربيع الأول 1438هـ - 08 ديسمبر 2016م

رؤية.. ورؤيا

الإرهاب.. أزمة للعلوم الإنسانية

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 12 مايو 2016

يبدو أن السؤال الأكثر بساطة وأهمية لم نتخطاه بعد، وقد لا نتخطاه في الأمد المنظور: ما هو السبب الأساسي - أو الأسباب الأساسية - لانفجار الإرهاب العالمي اليوم باسم ديانة يؤمن بها نحو مليار ونيف شخص في العالم، وكانت لسبب أو لآخر تحظى باحترام فولتير ونيتشه، ديانة النبي محمد؟ على الأرجح فنحن لم نبرح سوء الفهم والعجز عن تفسير ظاهرة تثير الرّعب والذهول في العالم. طبعاً لا نتساءل عن التبرير فهو موجود بغزارة، وإنما نتساءل عن التفسير، فهو الغائب عنا. ثمة معضلة تتعلق بمناهج الدراسات الأكاديمية، وعوزها الأصلي أمام ظاهرة متفجرة ومنفلتة بكل المقاييس. فإن علم الاجتماع ينشغل طول الوقت بالأسباب الاجتماعية) الفقر، التهميش، الهجرة... (والعلوم السياسية تنشغل أساساً بالأسباب السياسية) الاستبداد، الاحتلال، الحرب... (وينشغل علم النفس حصراً بالعوامل النفسية) التربية، التنشئة، العنف... (وربما ينشغل التاريخ بالعوامل التاريخية) الاستعمار، الحروب الصليبية، صراع الحضارات... ويبقى السؤال، أين تندرج ظاهرة الإرهاب من كل هذا؟

من المحتمل بعد هذا التساؤل –إن كنا سنفكر من خلال استدعاء الفرضيات الأكثر بداهة- أن تكون هناك مجالات معقدة، بحيث لا تتطلب فقط توليفاً بين مختلف التخصصات، بل تستدعي انزياحاً عنها. وإذا توفر لدينا بسط في التفكير وسعة في الخيال، فقد نفترض وجود ظواهر منفلتة من رحاب البحث الأكاديمي بأعرافه وتقاليده، من بينها الإرهاب العالمي باسم الدين الإسلامي. والآن، هل هناك فرصة ولو ضئيلة لأجل اقتراح مقاربة مختلفة؟ دعنا نلتمس إضاءة ولو خافتة عن هكذا سؤال.

حتى لا تكون فرضياتنا اعتباطية دعنا نسجل ملاحظة قد تبدو واضحة جلية: يصعب، وربما يستحيل أن نجد أي قاسم مشترك بين هؤلاء الإرهابيين يكون منتمياً إلى إحدى مقاربات العلوم الإنسانية، من قبيل المقاربة الاجتماعية أو النفسية أو التاريخية، كأن نقول إنه الفقر، أو الاستبداد، أو الاحتلال، أو الكبت الجنسي، إلخ. بمعنى أن العلوم الإنسانية بتقسيماتها الأكاديمية الصارمة قد تبدو عاجزة في الإجابة عن ظاهرة تستدعي مقاربة من نوع غير معهود أكاديميا. ماهي؟ يصعب علي الآن أن أعطيها اسماً محدداً، لكن بوسعي أن أتمثلها بالنحو التالي:

نسبة قليلة من الإرهابيين عانت الفقر أو التهميش، لا شك في هذا، نسبة قليلة منهم عانت من الاستبداد أو الاحتلال، وهذا واضح، وعلى الأرجح لا تجمعهم نفس الجنسية، لا تجمعهم نفس اللغة، لا تجمعهم نفس الخلفية الثقافية، إنهم متنوعون بنحو يذهل الأذهان ويربك مناهج الدراسات الإنسانية، لكنهم في آخر التحليل يجتمعون حول فكرة أساسية، إنها نفس الفكرة التي قد تبدو باهتة، لكنها مؤثرة: لديهم تقريبا نفس التمثل عن معنى أن يكون المرء مسلماً.

سؤال أول: هل يمكن لتمثل ذهني حول الهوية أن يغير بسرعة قياسية مسار شاب فيحوله بين عشية وضحاها من طالب هندسة إلى شخص إرهابي؟ الإجابة، نعم. التمثل حول هوية الذات هو الذي يصنع الذات، ويحدد مصيرها، وقد يقلب صورتها على حين غرة رأساً على عقب. هذا سؤال منفلت «علمياً»، ثم يبقى السؤال الثاني المنضبط إلى حد ما متعلقا بمصادر ومنابع التمثلات الممكنة حول هوية الذات؟ (أنا كذا) إذن يجب أن أفعل (كذا).. بين أنا الهوية وأنا الفعل مسافة تأويل. وهنا تلعب مراكز إنتاج الخطاب حول الهوية لعبتها. وبلا شك فالمشترك بين الإرهابيين باسم الإسلام اليوم أنهم مسلمون سمعوا في هذا المكان أو ذاك نفس الخطاب حول معنى أن يمتلك المرء هوية مسلمة.

ما نتحدث عنه الآن، يبقى، على الأرجح، مجالاً منفلتاً من الدراسات الإنسانية وفق التصنيفات الأكاديمية المعروفة: أثر التمثلات حول هوية الذات على السلوك المدني للشخص.

لنأخذ أمثلة بسيطة: في المدرسة –وهذا معروف- لمجرَد أن تقال صفة معينة للتلميذ ويصدقها حتى يتمثلها في الحال ودون تأخر: أنت ستجلس هنا في صف الفاشلين، أنت ستجلس هنا في صف الثرثارين، أنت ستجلس هنا في صف المهذرين، طبعاً لا أحرض على القيام بالتجربة للتأكد، فالتجربة هنا في حد ذاتها جريمة، لكن خبراتنا السابقة منذ الطفولة تبين لنا ما يكفي.

المسألة في جوهرها مرتبطة بالتمثلات الذهنية لمعنى أن يكون المرء مسلماً: أنا مسلم إذن يجب أن أتصرف على النحو التالي: أتبرأ من الخارجين عن الملة، أهددهم، أرعبهم، أرهبهم، أعذبهم، أحرقهم... أي أقلد الله بالتمام (لكن، الله كما أراه). ذلك أن التمثلات حول الذات هي التي تصنع الذات، وأن التمثلات حول الهوية هي التي تصنع الهوية، وأن التمثلات حول الألوهية هي التي تصنع الألوهية. التمثلات تأويلات، والتأويلات خطابات في الحساب الأخير، ويبقى السؤال، كيف تتم صناعة وترويج تلك التأويلات؟

فقط بعد أن نستوفي هذا السؤال حقه، نستطيع الانتقال إلى مجالات الدراسات الإنسانية برؤية تفكيكية-تركيبية تستكشف حقول تشكل رؤية الإنسان المسلم لهويته الدينية: الخطاب الفقهي التاريخي، الخطاب الديني المسجدي، الخطاب الديني الإعلامي، الخطاب الديني الإيديولوجي، الخطاب الديني التعليمي، الخطاب الديني الدعوي، إلخ، وصولا إلى تفاصيل التفاصيل: صورة المسلم في الخطاب الإشهاري، صورة المسلم في قصص الأطفال، صورة المرأة المسلمة في الخطاب الإعلامي، إلخ. وبكل تأكيد، ينتظرنا جهد جهيد.

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

ما رأيك في استغلال المنابر الدينية في الشأن السياسي؟

مقبول
مرفوض
لا أعرف