• الثلاثاء 07 ربيع الأول 1438هـ - 06 ديسمبر 2016م

هل سبق فيلسوف التاريخ عصره أم نحن الذين تخلّفنا عن عصرنا؟

العِبَر الخلدونيّة في الإرهاب والعصبيّة

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 12 مايو 2016

محمد علي اليوسفي

يقودنا الاهتمام بالعلاّمة ابن خلدون إلى التساؤل عما يجعله مقيماً بيننا، صالحاً من حيث المنهج لقراءة واقعنا، سواء عبر طرق انتقائية ما زالت تسِم الكثير من البحوث والدراسات، أم عبر مسار يجعل من الأهمية طرح السؤال بصياغة أخرى مركَّبة ومتكاملة في آن: أيتميّز ابن خلدون بنظرة ثاقبة ورؤية عميقة إلى الحد الذي جعل منهجه مستمرَّ الجدوى والفاعلية في عصرنا أم أننا تخلفنا في عصرنا بأشكال ملتبسة ومتداخلة إلى درجة يمكن معها إجراء مقارنة، لا تخلو من مفارقة زمنية، بين ما نعيشه من تحولات مفصلية في أيامنا، وما عاشه ابن خلدون شاهداً على حضارة بدأت بالأفول وحاول جاهداً أن يفهم أسباب ذلك الأفول؛ وبذلك تغدو نقطة الالتقاء متضمنة بالضرورة ارتداداً إلى الوراء؟

أغلب الدراسات التي تناولت ابن خلدون ركّزت على ما تميّز به من حيث الأسبقية العلمية، وفرادته في فهم واقع عصره، وصولاً إلى ما ذهب إليه البعض من «راهنيّة ابن خلدون» أو استمرار صدقية ملاحظاته في واقعنا العربي الحالي، خصوصاً في ما يتعلّق باستيقاظ تحليلات كانت غافية أو مغيّبة، ذات علاقة بمفاهيم مثل العصبية والقبلية والدين، وضرورة الجمع بين تلك المفاهيم لتفادي الوقوع في ما يمكن أن نسمّيه اليوم «تطرّفاً» ويمكن الاستشهاد في هذا المجال، بمقطع مميز من «المقدمة» يقول فيه ابن خلدون: «ومن هذا الباب أحوال الثوار القائمين بتغيير المنكر من العامة والفقهاء، فإن  كثيراً من المنتحلين للعبادة وسلوك طرق الدين يذهبون إلى القيام على أهل الجور من الأمراء، ويعرّضون أنفسهم في ذلك إلى المهالك، وأحوال الملوك والدول راسخة قوية لا يزحزحها ويهدم بناءها إلا المطالبة القوية التي من ورائها عصبية القبائل والعشائر».

ولا بدّ من قراءة هذه الفقرة، بل وقراءة أثر ابن خلدون كلّه، ضمن واقع عصره، ومصطلحاته، فالقبائل والعشائر كانت تشكّل آنذاك عامة الناس أو «الشعب» بالمفهوم الحديث، أما «العصبية» التي يبني عليها ابن خلدون أساس منهجه  وأساس العمران البشري، فقد تشعب الدارسون، وكذلك المترجمون الأوائل، في محاولة فهمها وأدّى الاجتهاد والاختلاف إلى تعقيد مصطلح العصبية أكثر، وما زاد الأمر تعقيداً أنّ ابن خلدون نفسه لم يحدّد هذا المعنى ولم يعرّفه تعريفاً شاملاً، بل اكتفى باستخدام بعض المرادفات له، وكانت نتيجة الاختلافات إغناء للتفاسير التي خضع لها مصطلح العصبية، وتراوحت تلك التفسيرات المنقوصة بين «التضامن» و«الوطنية»، و«العنصرية» أيضاً، كما ذهب إلى ذلك غاستون بوتول وغابرييلي وغيرهما من الدارسين الأجانب.

وكانت أغلب التعريفات تركّز على العصبية بوصفها الرابط الجوهري للمجتمع الإنساني والقوة الأساسية المحركة للتاريخ، غير أنّ تلك التعريفات ظلّت لصيقة بالتعميم وبعيدة عن الواقع العينيّ الذي درسه ابن خلدون، وخصوصاً في طريقة تمييزه بين البدو والحضر، أو «العرب» والحضر، وهذا ما أحدث بلبلة أخرى في فهم المقصود بالعرب مع الملاحظة أنّ هذا المصطلح مازال حتى أيامنا، يطلق على أهل البادية في بلدان شمال أفريقيا.

غير أنّ ابن خلدون لا يجعل «البدو» متّصفين بالعصبية و«الحضَر» فاقدين لها، فالأمر عنده يتعلّق بحيوية الريف سواء أكانت لدى البدو أم لدى الحضر، وكذلك بالانسجام والتجانس في جسم واحد للمجموع يتشارك في حياة اجتماعية ويضع نصب عيونه المحافظة على الجماعة. ... المزيد

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

ما رأيك في استغلال المنابر الدينية في الشأن السياسي؟

مقبول
مرفوض
لا أعرف