• الجمعة 10 ربيع الأول 1438هـ - 09 ديسمبر 2016م

العرب الذين يتهمون الغرب والشرق بالكيل بمكيالين هم عباقرة هذا النهج، وكل قضايانا وأزماتنا سببها الرئيس آفة الكيل بمكيالين. وعندما فشل المكيال الثقافي والنخبوي والقومي لجأنا إلى المكيال الديني أو الإرهابي

بين المثقفين والمرجفين والمطففين!

حجم الخط |


تاريخ النشر: الأربعاء 11 مايو 2016

محمد أبوكريشة*

ماذا قدّم من يسمون أنفسهم المثقفين، والمفكرين، والناشطين، والنخبة لأمتنا غير الكلام الغامض الحنجوري الذي لا يفهمه أحد؟ هؤلاء ينبغي أن يحاسبوا أنفسهم قبل أن يحاسبوا في الدنيا والآخرة.. هؤلاء المثقفون هم المطففون الذين إذا اكتالوا على الناس يستوفون وإذا كالوهم أو وزنوهم يخسرون. والتطفيف ليس فقط بالكيل والوزن الماديين، بل إن التطفيف الفكري أخطر بكثير من التطفيف المادي، والمثقفون في أمتنا هم المطففون فكرياً. ومثلهم كمثل الذين يلمزون في الصدقات، إذا أُعطوا منها رضوا، وإذا لم يعطو منها فإذا هم يسخطون. وكانت الحركات الثقافية والحقوقية والنخبوية في هذه الأمة، وما زالت، مشروعات تجارية ربحية لا وجود للأوطان ولا الأمة فيها، وكان من نسميهم المثقفين والناشطين والنخبة والمفكرين، إلا من رحم ربي، وقليل ما هم.. وما زالوا مثل شعراء المدح والهجاء في العصرين الأموي والعباسي، يتم استنطاقهم بالمال، ويتم إسكاتهم بالمال، يتم شراء ألسنتهم وأقلامهم.. فلا يصدقون في مدح ولا يصدقون في هجاء وتاجروا بكل القضايا وما زالوا يتاجرون ويربحون، وتتضخم ثرواتهم على أشلاء الأوطان والأمة. لم يفلح من نسميهم المثقفين والنخبة الفكرية في موالاة أو معارضة، فهم منافقون إذا أيدوا، وهم عملاء ومشاغبون إذا عارضوا، لأن القلوب غائبة، والجيوب هي الحاضرة في مواقفهم. وهم منفصلون تماماً عن الشارع العربي، بل إنهم فصلوا أنفسهم عن الشارع قصداً وعمداً كنوع من الاستعلاء، والنتيجة أنهم عزلوا أنفسهم، ولم يعزلوا الشارع. وأنهم أصبحوا بلا تأثير ولا قيمة، واكتفوا بالحديث لأنفسهم ولبعضهم في القاعات المكيفة والمكبرات والمقالات والتحليلات التي لا يقرأها أحد.

والنتيجة الأخطر أن هؤلاء الذين نسميهم المثقفين والنشطاء والمفكرين تركوا الشارع العربي لقمة سائغة في أيدي الجماعات الإرهابية وفي براثن التطرف. واستغلت هذه الجماعات الإرهابية الفراغ الفكري في الشارع العربي للتغلغل بين الناس، حتى سيطرت تماماً على الشارع بكل أطيافه. والأدهى والأمر أن مئات من هؤلاء المثقفين دخلوا في الإرهاب والتطرف أفواجاً. لأن المسألة لم تكن في الأصل فكراً ولا مواقف، ولكنها كانت بحثاً عن المال والثراء.. وفي السنوات الأخيرة اتجهت البوصلة المالية إلى الإرهاب والتطرف، وما يسمونه المد الديني، بعد أن كانت هذه البوصلة قبل ذلك متجهة إلى ما يُسمى المد القومي والمشروع النخبوي الحنجوري. وهذا يؤكد لي ولك أن الفعل الحركي أو المد الثقافي العربي يجري خلف الجيوب والمصارف، ولا تحركه القلوب والعقول، والمعارف والأفكار لا تنتشر لأنها صائبة، ولكنها تنتشر لأن وراءها ملاءة مالية وجهات تمولها. وقد أعلنت الجهات التي كانت تمول ما يسمى الفكر القومي إفلاسها وأغلقت أبوابها، فتخلى المئات من أصحاب واتباع المد القومي عنه، واتجهوا إلى ما يسمى المد الديني، لأنه أكثر ملاءة.

أضف إلى ذلك كله أن المشروع القومي سقط سقوطاً مدوياً، ولم يفلح في حل الأزمات والقضايا العربية، وفي المركز منها قضية فلسطين، بل إن هذه الأزمات والقضايا تفاقمت وتعقدت وصارت عصية على الحل.. وجاء الفشل الذريع نتيجة لأن النضال العربي والقومية ونصرة القضية الفلسطينية، كل ذلك كان قولياً وحنجورياً وهتافياً ومجرد أشعار تهويمية غامضة تسمى أدب المقاومة، لم يكن النضال العربي الثقافي ضد الاستعمار والصهيونية سوى ندوات ومنتديات ومؤتمرات وكتابات لا يتابعها أحد، ولا يعبأ بها أحد، وكما سرق الإرهاب وجماعاته المتطرفة الشارع العربي الفارغ فكرياً والعقل العربي التائه، سرقوا أيضاً القضايا والأزمات العربية من هؤلاء الذين نسميهم المثقفين والنخبة، وسوقوا شعارهم المطاط وغير الواضح، وهو الإسلام هو الحل، أي أن العرب انتقلوا من حناجر إلى حناجر مضادة، ومن شعارات إلى شعارات مغايرة. ومن نضال إلى جهاد، ومن (إنها لثورة حتى النصر) إلى (الله أكبر)، ومن لحية «تشي جيفارا» إلى لحى أسامة بن لادن والظواهري و«الإخوان»، ومن الأعمال الفدائية إلى الأعمال الاستشهادية.

وهذا هو التطفيف الذي أعنيه، أو هو الكيل بمكيالين الذي نتحدث عنه كثيراً. والعرب الذين يتهمون الغرب والشرق بالكيل بمكيالين هم عباقرة هذا النهج، وكل قضايانا وأزماتنا سببها الرئيسي آفة الكيل بمكيالين. وعندما فشل المكيال الثقافي والنخبوي والقومي لجأنا إلى المكيال الديني أو الإرهابي، والحبوب التي نستخدم فيها المكيالين هي نفسها.. «حبوب» الشعارات والندوات والمواقف المدفوعة التي تنطلق من الجيوب لا من العقول والقلوب.

الفرق الوحيد بين المشروع الثقافي العربي السابق، إذا صح أن نسميه مشروعاً، والمد الإرهابي الحالي، أن الأول اكتفى بالنضال القولي والشعاري والتكسب من الهتافات واللافتات والملصقات والمنشورات والندوات والمؤتمرات والمنتديات، وأن المد الإرهابي استعان إلى جانب القول بالفعل. ولجأ إلى الحركة مع الشعارات، ورفع لافتة الدين ليدمر ويحرق ويقتل ويسقط الأوطان والدول. كما أنه اشترى ولاء الشارع بما أطلق عليه الأعمال الخيرية والمستشفيات الإسلامية. وكل ذلك لم يكن لوجه الله، وإنما كان وما زال أسلوباً للتجنيد وشراء الولاءات وقمع أي محاولة للممانعة والرفض بطريقة المثل العامي المصري الشهير (اطعم الفم تستحي العين).. تغلغل الإرهابيون في النظم الاجتماعية العربية كافة، فسيطروا على التعليم والطب، وزوجوا الشباب والفتيات، وقدموا الإعانات والتبرعات.. وبعد أن تمكنوا من الشارع في غياب تام لمن نسميهم المثقفين والنخبة والنشطاء، بل وفي غياب الفعل الرسمي في كثير من الدول العربية، خصوصاً «دول الخريف»، قفزوا إلى المشهد السياسي والفعل السياسي، وأصبح من السهل عليهم حشد الجماهير بالتظاهر والشغب.. واستطاعوا سرقة ما أطلق عليه زوراً وبهتاناً ثورات الربيع العربي، فركبوها ووجهوها إلى حيث يريدون.. والآن يُراد من النخبة الثقافية العربية الفاشلة أن تتصدى لهؤلاء الإرهابيين، وهو أمر مستحيل لأن هذه النخبة لا تملك الشارع، ولا تتجاوز الأقوال المرسلة في المعركة مع الإرهاب، كما أنها فقدت القدرة تماماً على المبادرة وتكتفي برد الفعل، أي أن الإرهابيين يفعلون، وهذه النخبة تكتفي بالقول ورد الفعل الباهت وغير المؤثر، بل إنها في تصديها المزعوم للإرهاب تبرر الإرهاب. فويل للأمة من المثقفين والمطففين، ولا ندري إلى متى ستظل رهينة بين المثقفين والمرجفين والمطففين!

*كاتب صحفي

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

هل يتبنى ترامب مواقف أكثر توازناً ،خاصة تجاه الشرق الأوسط، بعد توليه الرئاسة الأميركية ؟!

نعم
لا