• السبت 11 ربيع الأول 1438هـ - 10 ديسمبر 2016م

السؤال الآن هو هل أن اليونان غير قادرة على الاستمرار في «اليورو»، وأن من الأفضل لها الرجوع إلى عملتها لتخرج من أزمتها الاقتصادية؟

اليونان .. أي باب تطرقه؟

حجم الخط |


تاريخ النشر: الثلاثاء 24 فبراير 2015

لا شك أن العديد منا عاش لحظات مماثلة عندما يختصم صديقان بسبب أمور مالية، فتتباعد الرؤى والتصورات ويتعمق الشرخ نظراً لسوء الفهم فتوضع سنوات من الصداقة على المحك، حينها لا مفر من تدخل باقي الأصدقاء لحل الإشكال وجر الطرف الرئيسي في الخصام لإجراء حديث هادئ، هذا بالضبط ما يجب أن يحدث لفض النزاع الناشب حالياً بين ألمانيا واليونان، فبعد أن طالبت أثينا بتمديد الدعم المالي لستة أشهر إضافية، وبعد أن أبدى الاتحاد الأوروبي ليناً واضحاً في موقفه، جاءت تصريحات وزير المالية الألماني التي وصف فيها الطلب اليوناني «بحصان طروادة» ليقلب الطاولة على الجميع، والحال أنه لا يجوز لقرارات مهمة ومصيرية أن تأتي على شكل تغريدات، أو تصريحات مقتضبة في «فيسبوك» وغيرها من التسريبات، لذا يجب على أقران ألمانيا في الاتحاد الأوروبي أن يذكروا وزير المالية الألماني، «فولفجانج شويبله»، أنهم هم أيضاً لديهم ما يخسرون في حالة عجزت اليونان عن سداد ديونها، ومع أن ألمانيا قد تكون صاحبة الصوت الأعلى داخل الاتحاد الأوروبي ودفعت القسط الأكبر من برنامج الدعم المالي الذي يبقي حالياً اليونان على السطح، إلا أنه لا يعطيها الحق الحصري للحديث نيابة عن جميع الأوروبيين.

ولابد من الاعتراف أن كلاً من اليونان وألمانيا يقتسمان المسؤولية واللوم على الوضع الحالي، فقد أبدى الساسة اليونانيون سذاجة منقطعة النظير بالتوجه فقط إلى الناخب المحلي، بل وفي بعض الأحيان التناسي بأن الأمر يتعلق أيضاً بقوى إقليمية، فيما لم تتزحزح ألمانيا قيد أنملة عن موقفها المصر على تخلي الحكومة اليونانية الجديدة عن وعودها للناخبين، وهو ما عبر عنه وزير مالية مالطا، «إدوارد سكيكلونا»، قائلاً إن ألمانيا «وصلت مرحلة تقول فيها لليونان إذا أردتم المغادرة تعرفون الباب»، ما يعني أن أعضاء آخرين ضمن الاتحاد الأوروبي أكثر هدوءاً عليهم التدخل لنزع فتيل التدهور، وهنا بدأ العديد من الناس في أوروبا يتحدثون عن فرض رقابة على رؤوس الأموال المودعة في البنوك لمنع النزيف المتوقع النتاتج عن سحب الودائع، وبرزت تصريحات تقول إن البنك المركزي الأوروبي الذي رفع مساهمته المالية للبنوك اليونانية إلى 68 مليار يورو أوصى بمراقبة الودائع البنكية، بل إن البنك المركزي يخطط أيضاً لجعل البنوك اليونانية تخفض ممتلكاتها من السندات الحكومية كإجراء احترازي في حال فشلت المباحثات.

لكن هذه الإجراءات التي يوصي بها البنك الأوروبي المركزي لتلافي الأسوأ قد تتحول إلى النبوءة، التي تحقق نفسها، وإن كان هذا مع الأسف ما تستدعيه اللحظة الراهنة، بحيث تحتاج أوروبا لوضع سيناريوهات تشمل كل الاحتمالات من فرض رقابة على رؤوس الأموال في البنوك اليونانية ومنع سحب الأموال، إلى تأميم القطاع المصرفي لغلق إمكانية هروب الأموال ومنع تداعي القطاع المالي، وإذا كانت هذه الإجراءات الاحترازية ضرورية لتفادي لحظة «ليمان برادرز» الأوروبية وعدم تمددها إلى باقي الدول، إلا أن المرور إلى تدابير متشددة من قبيل منع سحب الأموال يرقى إلى إقرار الحكومة اليونانية بالهزيمة والتي من المرجح أن تفضل الخروج من «اليورو» على تعريض مواطنيها لمعضلة إغلاق أبواب البنوك في وجوههم، لذا يتعين على وزراء مالية منطقة «اليورو» عند اجتماعهم يوم الجمعة المقبل أن يسمعوا أصواتهم ويضغطوا على ألمانيا لإقامة الموازنة الضرورية بين التفويض الديمقراطي للحكومة اليونانية وبين سلامة القواعد المتفق عليها لاستمرار خطة الدعم المالي، والحقيقة أن مثل هذا التوافق ضروري لأنه في غيابه قد تخرج اليونان من المشروع الأوروبي مع ما لذلك من تداعيات على مجمل الاتحاد.

ومع أن السؤال الحالي الذي يطرحه العديد من المراقبين، ومن بينهم «فاليري جيسكار ديتسان»، أحد مؤسسي الاتحاد الأوروبي، هو ما إذا كانت اليونان غير قادرة على الاستمرار في «اليورو»، وأن من الأفضل الرجوع إلى عملتها لتخرج من أزمتها الاقتصادية، إلا أن الحل ليس في طرح هذا السؤال، الذي يعرف الجميع أن الجواب عنه سيكون الخروج من «اليورو»، بل في ترك اليونانيين يقررون بأنفسهم بدل أن تُفرض عليهم الآراء من زملائهم على طاولة الاتحاد، وبالأخص من ألمانيا.

مارك جيلبرت*

*كاتب متخصص في الشؤون الاقتصادية

ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست وبلومبيرج نيوز سيرفس»

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

هل يتبنى ترامب مواقف أكثر توازناً ،خاصة تجاه الشرق الأوسط، بعد توليه الرئاسة الأميركية ؟!

نعم
لا