• الخميس 09 ربيع الأول 1438هـ - 08 ديسمبر 2016م

بمباركة من بوتين، ظهر عازف التشيلو في عرض تدمر الجريء، وجعل المعارضين لبوتين يعلمون أن الرئيس الروسي ما زال يتجاهلهم باحتقار

ألحان بوتين في تدمر!

حجم الخط |


تاريخ النشر: الإثنين 09 مايو 2016

ليونيد بيرشيدسكي*

وصف الكاتب بيتر بوميرانتسيف روسيا بأنها «ديكتاتوية ما بعد حداثية». وأبرز الرئيس فلاديمير بوتين وأصدقاؤه هذا الوصف بوضوح يوم الخميس الماضي حين أحيت أوركسترا مسرح مارينسكي لمدينة سان بطرسبورج حفلاً موسيقياً في مدينة تدمر السورية الأثرية التي حررتها القوات السورية المدعومة روسياً من أيدي «داعش» في مارس الماضي. وقبل قليل من استعادة هذه الأطلال التي كانت ذات يوم مدينة عامرة، أعلن بوتين الانسحاب من سوريا وأن المهمة العسكرية قد أنجزت. لكن الحفل أعلن أمام العالم أن بوتين هو صاحب الفضل في النجاح الذي حققه بشار الأسد مؤخراً، وأن أي اتفاق سلام سيبرم وفقاً لشروط روسية.

وفاليري جيرجيف قائد أوركسترا مارينسكي يؤيد بوتين منذ فترة طويلة، وأيد الهجوم الروسي على أوكرانيا عام 2014. ومجرد حضور جيرجيف نقل هذه الرسالة في السياسة الخارجية. وشارك جيرجيف في حفل مماثل في تسخينفالي عاصمة منطقة أوسيتيا الجنوبية الانفصالية في أغسطس 2008 بعد أقل من أسبوعين على إعلان الجيش الروسي أن المنطقة «من العالم الروسي» كما وصفها أنصار بوتين. وبعزفه في ميدان رئيسي دمرته النيران الجورجية، أضفى جيرحيف طابعاً رسمياً على عملية الاستيلاء. وتكرار هذا في سوريا ينقل رسالة قوية عن الدعم للأسد، وهو أمر لا تريده الولايات المتحدة وحلفاؤها، وعزز بوتين هذه الرسالة يوم الخميس مخاطباً الأوركسترا والجمهور عبر اتصال مصور قائلاً: «أعتبر هذا علامة على العرفان وإحياءً للذكرى والأمل».

وللحفل أيضاً رسالة ينقلها إلى المواطنين الروس وأي شخص يتجاسر على انتقاد نظامه، مفادها أن بوتين لن يعتذر عن مسار سياسته في داخل روسيا، وأنه يقف بجانب أصدقائه وممارساتهم الاقتصادية، فقد شارك عازف التشيلو سيرجي رولدوجين في الحفل ليعزف على الآلة رباعية الأوتار. ورلدوجين موسيقي ذو خبرة طويلة، لذا لم يكن هناك للوهلة الأولى أي شيء غير عادي يتعلق بظهوره في أوركسترا مارينسكي حيث كان عازف التشيلو الأساسي في الثمانينيات وقاد الأوركسترا أحياناً، لكن اسم رولدوجين تداولته الأنباء في أمور لا تتعلق بالموسيقى، فقد أشار مقال عن تعاملاته المشبوهة في نشاط اقتصادي خارج البلاد.

ورولدوجين صديق مقرب من بوتين وهو الأب الروحي لماريا كبرى بنات بوتين، وكشف التسريب الكبير لوثائق بنما أن رولدوجين يملك شركات ترتبط ببنك روسيا، وهو مؤسسة اقتصادية تسيطر عليها دائرة صغيرة من أصدقاء بوتين. وأشار الاتحاد الدولي للمحققين الصحفيين الذي نشر القصة إلى أن رولدوجين ربما قام بدور الواجهة لبوتين نفسه. ونادراً ما يرد بوتين على المزاعم بشأن المحسوبية والفساد في نظام حكمه، لكنه في قضية رولدوجين أدلى بكثير من التصريحات. وصرح أن عازف التشيلو ليس إلا حامل أسهم أقلية ينفق كل الأموال التي يحصل عليها على الآلات الموسيقية القيمة التي يجلبها إلى روسيا. وقال بوتين: «حبذا لو كثر لدينا أمثاله... أنا فخور بأن لي أمثال هؤلاء الأصدقاء»، لكن تصريحات بوتين عن النشاط الاقتصادي لرولدوجين تثير من الأسئلة أكثر مما تجيب. ومع هذه المباركة من بوتين، ظهر عازف التشيلو في عرض تدمر الجريء. وعبر عن نفسه ليجعل المعارضين لبوتين يعلمون أن الرئيس الروسي ما زال يتجاهلهم باحتقار. ودمج كل هذه الرسائل في حفل للموسيقى الكلاسيكية في موقع أثري يعد عملاً فنياً بذاته. والهدف منه التأكيد على القوة الروسية التي تحتقر الغرب.

ماذا يقول هذا النجاح عن البلاد التي نظمت الحفل، عدا أن زعيمها يقف بجانب حلفائه بصرف النظر عن هويتهم وما قد يكونون متورطين فيه؟ وقد أجاب على هذا السؤال أفضل إجابة بوميرانتسيف، قائلاً: «روسيا القرن الحادي والعشرين تتبع منهجاً ما بعد حداثي في السيطرة، وهو ما بعد حداثي فيما يتعلق بأنه يستخدم كثيراً من التقنيات المتعلقة بالفن والفلسفة ما بعد الحداثيين أي استخدام معارضات أدبية لرؤية الآخرين ومؤسسات محاكية ومجتمع له مظهر أخاذ دون جوهر»، والمظهر في تدمر كان رائعاً والرسالة كانت واضحة.

*كاتب روسي مقيم في برلين

ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست وبلومبيرج نيوز سيرفس»

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

هل يتبنى ترامب مواقف أكثر توازناً ،خاصة تجاه الشرق الأوسط، بعد توليه الرئاسة الأميركية ؟!

نعم
لا