• الأحد 05 ربيع الأول 1438هـ - 04 ديسمبر 2016م

نقاد التعددية الثقافية يقولون إنها توفر البيئة الخصبة لتوالد «غيتوات» الانعزال بعيداً عن الوسط العام، وهناك تترعرع كل أنواع التطرف الديني

«صادق خان» وتجديد التعددية الثقافية

حجم الخط |


تاريخ النشر: الأحد 08 مايو 2016

د. خالد الحروب *

ثمة الكثير مما يُبهج في فوز صادق خان رئيساً لبلدية لندن، كما أن ثمة الكثير مما يثير المخاوف إزاء مستقبلات تعايش المسلمين في الغرب واتجاهاته. أول ما يُبهج هو علو قامة تعددية وكوزمبوليتانية هذه المدينة العريقة، التي لم تنحن أمام هوج تيارات العنصرية والإسلاموفوبيا التي عصفت بأوروبا في السنوات الأخيرة. لندن التي ظلت تكبر وتتوسع تعددياً وتعايشياً إلى أن تساوى فيها عدد من ينحدر من أصول أنجلوساكسونية مع عدد من ينحدر من أصول أخرى تقدم صفعتين بذات القوة لطرفين متناقضين: صفعة في وجه العنصريات الأوروبية وتيارات اليمين المتطرف التي اشتغلت على تخويف وإرهاب شعوبها من المسلمين، وصفعة قوية أخرى في وجه الجماعات الإسلاموية وتيارات التعصب الديني التي اشتغلت بدورها على اختزال الغرب وأوروبا بتعريفات «الكفر» و«الكفار» وتسويغ الإرهاب ضد المدن والمدنيين. وأنصار التعددية الثقافية، وباختصار، يجادلون بأن إفساح المجال للثقافات والأديان والطوائف والإثنيات المختلفة كي تعبر عن ذواتها في سياق تعددي وليبرالي واسع سيجرجرها إلى تيار الوسط العام، ويقلم تطرفاتها الدينية أو القومية من دون تدخل الدولة والسياسة، مُبقياً على ما هو تعايشي فيها، ونابذاً لما هو كريه فيها. السياسة البديلة، كما يشير أنصار التعددية الثقافية، تعني إجبار الأقليات والجاليات على تبني ثقافة وممارسات البلد والمجتمع المُستضيف، بالقسر المباشر أو غير المباشر. وهذا يقود إلى استفزاز ردود فعل دفاعية وهجومية قصوى عن الهويات والأديان بما ينعش جوانب التطرف فيها ويقوي متطرفيها، وهكذا وعوض أن تتدحرج الغالبيات نحو الوسط العام، تتشتت إلى هوامش التطرف بعيداً عن الضوء أو تحت الأرض. تمتلك التعددية الثقافية تماسكاً نظرياً تسنده وقائع وتواريخ طويلة. لم يرد البريطانيون تحويل الشعوب والمجتمعات التي استعمروها إلى بريطانيين ثقافة وديناً وممارسة، بل اهتموا بولاء الجميع السياسي للعرش البريطاني والخضوع لسيادته.

نقاد التعددية الثقافية قالوا ويقولون بأنها توفر البيئة الخصبة لتوالد «غيتوات» الانعزال بعيداً عن الوسط العام، وهناك تترعرع كل أنواع التطرف الديني والثقافي، وتنتج في نهاية المطاف خليطاً من التجمعات السكانية المتناقضة، والتي لا يجمعها ناظم ثقافي أو مسلكي أو اجتماعي مُوحد، وعوضاً عن التعايش المُفترض التي تتأمله التعددية الثقافية فإن ما يتنامى في الواقع كراهيات حقيقية مردها تواصل التباعد الثقافي والانعزال بين شرائح ومكونات يُفترض أنها تابعة لمجتمع أو وطن واحد، وهذا الأخير، أي الوطن، والولاء له، هما الضحية الأولى لفشل التعددية الثقافية، بحسب نُقادها، ذلك أن من تربوا في أحضان الجاليات الثقافية والدينية المعزولة عن الوسط العريض للمجتمع المُضيف لا يشعرون بأي ولاء للبلد الذي ولدوا فيه ويحملون هويته وجنسيته، بل هم مستعدون لتفجير أنفسهم فيه وضده. وفر الإرهاب الإسلاموي، بدءاً من تفجيرات 11 سبتمبر 2001 في نيويورك إلى تفجيرات مارس 2016 في بروكسل، كل العتاد التنظيري الذي احتاجه نقاد التعددية الثقافية، سواء من انطلق بالنقد من موقع الحرص والإنصاف، أو أولئك المدفوعين بعنصريات دفينة انتهزت تواتر الأحداث وإرهابها وسعرت الخطابات المعادية للمسلمين المباشر منها أو المركب. على خلفية عريضة كهذه إذن، ومع الاختزال المُخل، يأتي نجاح صادق خان، مُقدماً أحد أمثلة نتاج التعددية الثقافية في نسختها البريطانية.

إذن يجلس اليوم صادق خان على كرسي رئاسة بلدية لندن في وسط سياقات تحف بها الشكوك والمخاوف، ومنظوراً إليه بمتابعة لصيقة، وبأمل، وبتربص، من قبل جهات عديدة. يتأمل منه أنصار التعددية الثقافية أن يقدم مثالًا يعزز من مواقع النظرية التي تعرضت للاهتزاز جراء الضربات المتلاحقة من الواقع المتواتر، أو التنظير الناقض لها والذي لم يتوقف. ويتربص به ناقدو التعددية الثقافية وكارهو المسلمين والأجانب سواء في بريطانيا أو الغرب عموماً ليقولوا إن ولاء «هؤلاء الأجانب» لبلدانهم مستحيل التحقق طالما أنهم يتميزون عن غالبية المجتمع المضيف بهوية دينية مغايرة، وإلى جانب هؤلاء وأولئك، هناك مسلمو بريطانيا الذين تتنازعهم تيارات وضغوطات وتأثيرات إعلام اتهامي، وقليل من هؤلاء ومعهم متطرفون أكثر خارج بريطانيا ليقولوا إنه لا يخدم الإسلام والمسلمين من موقعه، لكن هؤلاء قلة قليلة، والأهم منهم الغالبية الكاسحة، ومن جهة هذه الغالبية سيُثقل كاهل السياسي الصاعد بحجم الآمال والتوقعات المرصوفة على كتفيه، ذلك أنها تقدم هويته الدينية على هويته البريطانية الأوسع. يريد منه أفراد الغالبية، الخائفة والمتوترة في معظمها، أن «يمثلهم» وينطق باسمهم ويطالب بـ«حقوقهم»، ويغير من الصورة الإعلامية عنهم، متغافلين عن كونه رئيساً لبلدية لندن البريطانية وملايينها التسعة متعددة الأديان والهويات والإثنيات.

* كاتب وأكاديمي عربي

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

هل يتبنى ترامب مواقف أكثر توازناً ،خاصة تجاه الشرق الأوسط، بعد توليه الرئاسة الأميركية ؟!

نعم
لا