• الجمعة 26 ربيع الأول 1439هـ - 15 ديسمبر 2017م

النبي الخاتم صاحب الرسالة الخاتمة

رسولنا كالأب للأمة في الشفقة من جانبه وفي التعظيم من طرفهم

حجم الخط |


تاريخ النشر: الجمعة 24 فبراير 2012

إنَّ المتتبع لحديث القرآن الكريم إلى من نزل عليه القرآن، صلى الله عليه وسلم، يجده كله حديث لمحمد، وعن محمد، عن صقله وتربيته، عن توجيهه وإعداده، عن دعوته ورسالته وما نزل عليه وما دعا الناس إليه، من أجل ذلك أقول إنَّ حديث القرآن الكريم عن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، إنما هو في حقيقته حديث عن القرآن كله، وعن كل ما يحفل به وما تعرض له، ثم هو بالتالي حديث عن الإسلام مفهوماً وعقيدة وشريعة، ومن ثم فلا غرابة إن قلنا إن حديث القرآن عن رسول الله حافل فياض تقصر الطاقات البشرية عن جمعه والإحاطة به، إذ هو في حقيقته متعدد متشعب يحتاج إلى طاقات خارقة، عالمة عارفة متخصصة متعمقة لتجلو مناحي الحديث وزواياه، وتكشف في صدق وعمق وحق عن حجبه وأقطاره، وكان من ضمن ما تعرض له القرآن الكريم من حديث عن شخص رسول الله، صلى الله عليه وسلم، أنه صاحب النبوة الخاتمة والرسالة الأخيرة، يقول سبحانه: (مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ)، «سورة الأحزاب». ويقول سبحانه: (وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الإِيمَانُ وَلَكِن جَعَلْنَاهُ نُورًا نَّهْدِي بِهِ مَنْ نَّشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ)، «سورة الشورى، الآية 52».

الرسالة

(كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولاً مِّنكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُم مَّا لَمْ تَكُونُواْ تَعْلَمُونَ)، «سورة البقرة، الآية 151». ويؤكد النبي، صلى الله عليه وسلم، هذا الختم للنبوة والرسالة في كثير من أحاديثه، فيروى الإمام مسلم رضى الله عنه أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ (فُضِّلْتُ عَلَى الأَنْبِيَاءِ بِسِتٍّ أُعْطِيتُ جَوَامِعَ الْكَلِمِ وَنُصِرْتُ بِالرُّعْبِ وَأُحِلَّتْ لِي الْغَنَائِمُ وَجُعِلَتْ لِي الأَرْضُ طَهُورًا وَمَسْجِدًا وَأُرْسِلْتُ إِلَى الْخَلْقِ كَافَّةً وَخُتِمَ بِي النَّبِيُّونَ). ويروى كذلك أيضاً عن أبي هريرة أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: «إِنَّ مَثَلِي وَمَثَلَ الأَنْبِيَاءِ مِنْ قَبْلِي كَمَثَلِ رَجُلٍ بَنَى بَيْتًا فَأَحْسَنَهُ وَأَكْمَلَهُ، إِلا مَوْضِعَ لَبِنَةٍ مِنْ زَاوِيَةٍ مِنْ زَوَايَاهُ فَجَعَلَ النَّاسُ يَطُوفُونَ وَيَعْجَبُونَ لَهُ وَيَقُولُونَ: هَلا وُضِعَتْ هَذِهِ اللَّبِنَةُ؟ قَالَ: فَأَنَا اللَّبِنَةُ، وَأَنَا خَاتَمُ النَّبِيِّينَ».

يقول العلماء، إن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، كالأب للأمة في الشفقة من جانبه، وفي التعظيم من طرفهم، بل هو في حقيقة أمره في منزلة أسمى وأرفع؛ لأن النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم، والأب ليس كذلك، وعندما ختم الله برسوله النبيين كان في ذلك بيان يفيد زيادة الشفقة من جانبه ذلك أن النبي الذي يكون بعده نبي إن ترك شيئاً من النصيحة والبيان يستدركه من يأتي بعده أما وأنه لا نبي بعد محمد، صلى الله عليه وسلم، فإنه يكون أشفق على أمته، وأرحم وأهدى لهم، إذ هو كالوالد لولده الذي ليس له غيره من أحد. كذلك نظر الإمام القرطبي إلى قول النبي، صلى الله عليه وسلم، «إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق»، فأخذ منه أن إتمام مكارم الأخلاق يعنى إكمالها، ومن ثم فلا حاجة لنبي يأتي بعد محمد، صلى الله عليه وسلم؛ لأنه قد كملت به الأخلاق، وتم به الدين، وإذا كان هذا جانب من فلسفة العلماء لختم النبوة والرسالة، فإننا يمكن أن نزيد عليه بأن الإنسانية في مهدها لما تتفتح عيونها، والكون من حولها غر ساذج، والعقل البشرى بحكم ما ركب فيه من طبيعة تكوينية يقصر عن إدراك القيم والمفاهيم، والطبائع لم تصقلها يد التوجيه والمعرفة، في حين أن الله سبحانه أراد للإنسانية أن ترقى وتنهض، وقدر للكون أن يسمو ويتطور، وللعقل أن يعمل ويفكر، وللطبائع أن تتمايز وتصفو أرسل رسله وهداته ودعاته يبنون ويبينون، ويقون ويقومون، لكل رسول دعوة ومجال، ولكل مرشد فسحة وميدان، ولكل داعية ناحية يدعو لها، ويعمل من أجلها تجمعهم جميعاً كلمة التوحيد، وتحرير الناس من عبادة المخلوق، إلى عبادة الخالق، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الآخرة.

رسالة موسى

ومن ثمّ كانت رسالة موسى إلى قومه هداية وتحرير من ضلال الباطل إلى نور الحق، ومن عبودية فرعون إلى عبادة رب فرعون. وكانت رسالة عيسى ترنو إلى تخليص قومه من إيسار المادة وعبادة الأوهام ليصل بهم إلى القدير الحكيم الذي أعطى المادة هيأتها، والكائنات صنوفها وألوانها ومن قبلهما تناول كل نبي ورسول في دعوته بجانب الاتجاه التوحيدي منحى خاص يقوم فيه ما اعوج عند أهله وقومه، ورسل الله كثر (وَإِن مِّنْ أُمَّةٍ إِلاَّ خَلا فِيهَا نَذِيرٌ)، «سورة فاطر، الآية 24». كل أخذ دوره، ووضع لبنة في بناء الإنسانية. ثم أراد الحق سبحانه لهذا البناء أن يتكامل، وللإنسانية أن تبلغ رشدها وذروة قمتها، فأنعم عليها بالنبوة الخاتمة والرسالة الأخيرة رسالة محمد، صلى الله عليه وسلم، التي حملت في دعوتها خطاباً متكاملاً للروح والجسد، والعقل والبدن والدين والدنيا، فتفتحت أعين الإنسانية على مثل وقوانين: مثل سماوية هادية، وقوانين إلهية أيقظت الوجدان وألهمت الأرواح. وفي الوقت ذاته كملت للبشرية بهذه الرسالة الخاتمة راحة النفس، وصفاء الروح، ونقاء الضمير وسلامة الوجدان في ظل شريعة عامة وصفت بالتمام والكمال والشمول، فاستحقت بذلك أن تكون خاتمة للشرائع، واستحق صاحبها أن يكون خاتماً للأنبياء والمرسلين (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا)، «سورة المائدة، الآية 3». وقرن الله سبحانه هذه الشريعة بكتاب منزل من قبل العلى الأعلى وصفه منزله بأنه روح (وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا)، ووصفه منزله سبحانه كذلك بأنه نور (قد جاءكم من الله نور)، فكان روحاً أحيا الله به موات القلوب، وكان نوراً تبدت به معالم الطريق إلى الله، واستبانت من خلال أحكامه معالم السبيل إلى علام الغيوب.

وكان على يديه، صلى الله عليه وسلم، تمام مكارم الأخلاق، فلم يترك في البناء نقصاً ولا ثغرة، فرأب الصدع وجمع القلوب على كلمة التوحيد، ومن قبل كانت كل شريعة خاصة بأمة الرسول الذي بشر بها يعروها النسخ والزوال بموته؛ لأنها ما شرعت إلا لتلك الأمة، فلا تتلاءم مع أمة سابقة، ولا تتواءم مع أمة لاحقة، وهكذا قدر الله سطر فيه لكل أمة شرعة ومنهاجا، وهذا من حكمة الله أن جعل الواجب الملقى على عاتق الأمم يتلاءم مع مقدار الحق المأخوذ، فالأمم كالنفسيات ما يصلح لواحدة لا تصلح به الأخرى، فلما اكتمل للبشرية إعدادها النفسى أنعم عليها بخاتمة الرسالات ونهاية الشرائع، شريعة الله المنزلة على قلب عبده وخاتم رسله محمد صلى الله عليه وسلم.

د. محمد عبد الرحيم البيومي

كلية الشريعة والقانون - جامعة الإمارات

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا