• الثلاثاء 26 شعبان 1438هـ - 23 مايو 2017م

خبز وورد

عاش المبدعون والمبدعات

حجم الخط |


تاريخ النشر: السبت 07 مايو 2016

مريم جمعة فرج

الجنون فنون المثل الذي سمعناه من زمن.. وعندما أرادت صديقة جميلة أن تغير نظرتنا إليه زادته قليلا فقالت بشيء من الذكاء الجنون فنون وقلة العقل مصيبة ومسكينة هي، فهذا المثل يبدو كما لو أنه قابل لأن يتم التحكم فيه عن بعد. ولو أن أحدنا كان باحثا في أحد المختبرات فسيقول على سبيل المثال، وهو يسحب المثل من وسطه الجنون فنون والفنون اضطراب عقلي يظهر أن البعض، ويضرب مثلا، كالمبدعين أكثر قابلية للإصابة به، ويخلص إلى هذه النتيجة الكارثية. وبما أن ملاحقة آخر الأبحاث والاكتشافات المتعلقة بالصحة أصبحت من الهوايات المفضلة لدينا هذه الأيام فخذ هذا الخبر ومعه صك براءة.

تتساءل إحدى الدراسات التي أجريت مؤخرا حول ما تسميه النموذج المختل سلوكيا للشخصية المبدعة، عما إذا كان الاشتغال بالمهن الإبداعية يجعل الناس أكثر عرضة للإصابة بالسيكوباتية. الشخصية السيكوباتية أجاركم الله، معروف أنها مضطربة غير مسؤولة عن سلوكها الاجتماعي تعاني من أمراض تضر بالمجتمع كالفوضى والعدوانية وانعدام الضمير والغريزية والأنانية والعجرفة و... وبدلا من أن يقال إن ذلك الآدمي مبدع يقال إنه سيكوباتي أو جن وقعد في أحسن الأحوال. الأشخاص الذين تم اختيارهم بعناية ليخضعوا للتجربة حددت الصفات المطلوب أن يجدها الباحثون في سلوكهم كالنرجسية والازدواجية والانتهازية والخلل الاجتماعي والنفسي و«خرجوا في النهاية براءة» ! وإذا بهم، أي الباحثين يكتشفون أن الخبال ليس من مستلزمات الإبداع.

السلوك غير السوي يقال بأنه حالة طارئة وليست جوهرية في الإنسان بمعنى أن ممارسة الإنسان لمهنة ما يكسبه سلوكا مكروها. لكن يبقى أن السار هو براءة الإبداع أما المرض فيأتي من أشياء أخرى، ولو أن هذا البلاء حدث للمبدع فهو يحدث مصادفة. الباحثون يشكون ليس إلا.

لكنك تحمد الله على أن فناني اليوم أو «مجانين» اليوم غير الأمس، وأنهم لم يعيشوا فيما ننعته الآن «أيام أول» في بيئة لم تكن مناسبة لهم فيجري وراءهم الأطفال ما أن يسمعوا الخبر، ويقذفوهم بالحصى أو يربطوهم في حوش البيت لكي لا يؤذون الناس بجرأتهم الزائدة عن الحد. مجانين اليوم حتى لا يصيبهم التثبيط العاطفي كهؤلاء الذين عاشوا، حيث كان الناس يستكثرون على رجل مثل «محراك» أو امرأة مثل مهيرة جرأتهم، ولله الحمد أيضا أن الباحثين يفكرون في تعميم استخدام مصطلح الإبداع هذا وتعزيزه في مجال الإعداد التربوي والمهني!

يبقى الجنون فنون وقلة العقل مصيبة، وعاش المبدعون والمبدعات الأحياء منهم والأموات.

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا