• الأحد 05 ربيع الأول 1438هـ - 04 ديسمبر 2016م

لغز الفقر في اليابان!

حجم الخط |


تاريخ النشر: السبت 07 مايو 2016

في أميركا هناك كثير من الأفكار المسبقة حول الفقر. على اليمين، هناك فكرة سائدة بأن سلوك الفقراء هو السبب الرئيسي، ذلك أنهم إذا عملوا أكثر، وارتكبوا جرائم أقل، وكان لديهم عدد أقل من المواليد خارج إطار الزواج، وتوقفوا عن تعاطي المخدرات، فإن معدل الفقر سيتراجع. وفي الوقت نفسه، فإن الكثير من الليبراليين يلقون باللوم خلف وجود الفقر على سياسات السوق الحرة التي أضعفت النقابات وقضت على رفاه الشركات. وكل واحدة من هاتين النظريتين قد تبدو مقبولة ظاهرياً. ولكن عندما أنظر إلى حال اليابان، قد لا أرى كثيراً من الأدلة على أن أياً من السلوك الفردي أو سياسة السوق الحرة هي السبب الرئيسي للفقر.

وكما هو الحال في مجالات عديدة أخرى من الاقتصاد، فإن اليابان تدحض الاعتقاد السائد لدينا. والصورة النمطية السائدة عن اليابان باعتبارها دولة غنية، وفيها معدلات فقر منخفضة، ليست صحيحة تماماً على إطلاق. صحيح أن اليابان كان لديها عدد أقل نسبياً من الفقراء، وكانت مجتمعاً يسوده العدل والمساواة، وذلك في مطلع ثمانينيات القرن الماضي. ولكن منذ ذلك الحين، ارتفع معدل الفقر بلا هوادة.

والآن، يخبرنا تقرير لليونيسيف أنه وفقاً لمقياس واحد على الأقل، هو مقياس فقر الأطفال، فإن اليابان تأتي بعد الولايات المتحدة. ووفقاً لهذا المقياس، تحتل اليابان الآن المركز الـ34 من بين 41 دولة متقدمة. وبالمقارنة، تأتي الولايات المتحدة في المركز الثلاثين. وكذلك المستوى المرتفع من البطالة يتناسب مع جميع الاتجاهات الاقتصادية السلبية الأخرى في اليابان -انخفاض الأجور الحقيقية وزيادة عدم المساواة وارتفاع العمالة غير المنتظمة بأجور منخفضة. وكل هذا يؤكده حقيقة واحدة: أن كثيراً من الناس في اليابان لا يبلون بلاء حسناً من الناحية الاقتصادية.

والسؤال هو، لماذا يحدث هذا؟ إذا كان القول بأن السلوك السيئ يرتبط بالفقر صحيحاً، فإننا نتوقع رؤية معدلات جريمة مرتفعة، والكثير من البطالة ومعدلات مرتفعة على مؤشرات مثل ارتفاع المواليد خارج إطار الزواج وارتفاع معدلات تعاطي المخدرات.

ولكننا لم نر أياً من هذه الأشياء. فاليابان لديها معدلات مرتفعة للغاية من مشاركة القوى العاملة وانخفاض البطالة. ولا يوجد هناك كسل أو خمول. كما أن معدلات الجريمة في اليابان، ولاسيما جرائم العنف، منخفضة بشكل أسطوري، وقد تراجعت بشكل أكبر في السنوات الأخيرة. والأبوة المنفردة نادرة جداً في اليابان -وتبلغ نسبتها 4% فقط في جميع أنحاء البلاد، مقارنة بنسبة تبلغ 25% في الولايات المتحدة. كما أن معدلات تعاطي المخدرات، مع أنها ارتفعت مؤخراً، إلا أنها تبقى أقل بكثير منها في الولايات المتحدة.

وهكذا، فإن الشعب الياباني أفضل سلوكاً بكثير من الأميركيين، على الأقل فيما يتعلق بالوسائل التي يعتبرها المحافظون سبباً للفقر. فماذا عن سياسات السوق الحرة؟ هنا تصبح القصة أكثر غموضاً، ولكنني ما زلت أرى هذا كعامل ثانوي على الأكثر. وتشتهر اليابان بنظام رفاه الشركات، حيث الأمن الوظيفي مرتفع والعلاوات تعتمد على الأقدمية. وقد تراجع هذا النظام منذ أن أنهت إدارة رئيس الوزراء السابق جونيشيرو كويزومي حظراً على استخدام العمال غير النظاميين في التصنيع. ولكن كثيراً من الوظائف غير المضمونة التي تحولت إلى الأجر المنخفض استحدثت دون تغييرات أساسية في السياسة. وعلى وجه الخصوص، فإن إجراءات الحماية الصارمة التي فرضتها الحكومة على العمال النظاميين ظلت كما هي. ... المزيد

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

هل يتبنى ترامب مواقف أكثر توازناً ،خاصة تجاه الشرق الأوسط، بعد توليه الرئاسة الأميركية ؟!

نعم
لا