• الأربعاء 08 ربيع الأول 1438هـ - 07 ديسمبر 2016م

الفن التشكيلي السوري وإفصاحات العنف

جمال الشهداء وبشاعة الجلادين

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 05 مايو 2016

د. حورية الظل

نتيجة العنف الدامي ووفرته الفادحة في الراهن السوري، اتجه الكثير من الفنانين التشكيليين السوريين، وخاصة الشباب منهم، إلى إنجاز أعمال فنية مغايرة تعيد صياغة هذا العنف الضاري بطريقة جمالية، وهي الوسيلة المثلى لمقارعته، بعدما قوّتهم المرارة التي يخلفها في النفس على فعل ذلك، فأصبح في أعمالهم ثمة ترجمة له، مُؤسسة بقتامة الألوان التي تفشي ببؤس الواقع المشرع على فجائع شتى، إذن هل يسهم الفنان التشكيلي السوري في عرقلة مجرى تاريخ العنف المثابر على البقاء في بلده؟ وهل يعمل على تحويل مسارات هذا العنف، ويحشد الإدانة ضده وضد صانعيه؟

من البديهي أن نقول، إن حضور الحرب والعنف في الفن التشكيلي السوري علامة على دموية الوضع وظلاميته في سوريا، لأن الفن بطبيعته لا يبقى محايدا لما يتعلق الأمر بمآسي البشر، فهو يعد شاهدا على أقسى الفترات المظلمة عبر التاريخ، والأعمال الفنية أصدق مما نقرؤه في كتب التاريخ التي تكون في الغالب من إملاء السلطة المنتجة للعنف، وكمثال على هذه الأعمال لوحة الـ غيرنيكا لبيكاسو التي استوحاها الفنان من هجوم بالطائرات وقصف بالقنابل تعرضت له قرية غيرنيكا شمال إسبانيا من طرف القوات التابعة لفرانكو بدعم من النازيين، حيث تم إلقاء خمسين طنا من القنابل على القرية الآهلة بالسكان، الأمر الذي أسفر عن سقوط مئات القتلى، فأرخت اللوحة لفترة مظلمة من تاريخ إسبانيا. وقد قال بيكاسو عن الموضوع قولته المشهورة مدينا صانعي الحرب: «إنه عنف فظيع، في ثوان علمني فرانكو وهتلر معنى الكراهية الحقيقية»، لكن فرانكو وهتلر لا زالا يتكرران بأسماء أخرى، وجرائمهما هناك من يعاود ارتكابها بحذاقة، والقنابل لا زالت تهطل على الشعوب وبالخصوص الشعب السوري الأعزل والذي لا عزاء له إلا الموت.

عنف فوق الحدود

إن الحرب الدموية المخيمة على سماء سوريا مع تداعياتها وآثارها المدمرة على شعب بأكمله وعلى حضارة عريقة وعلى المنطقة العربية بأسرها تجاوزت كل الحدود الممكنة، وحملت ملامح الكارثة المفضية لفظائع لا تحصى، الأمر الذي جرد الفنانين السوريين من خياراتهم السابقة ومن زهو الألوان وبهجتها، فأصبحوا حاملين لذاكرة انتقائية لا يقع اختيارها إلا على العنف والدمار والموت والعتمة والسواد، فغيروا وجهة بوصلة مخيلتهم نحوه، وجنحوا إلى نقل قسوته دون مهادنة.

لقد استحضر الفنانون السوريون كل تلك القسوة التي عصفت بسوريا ولم تترك لأبنائها سوى خيارين لا ثالث لهما، إما الموت أو تكرار الخطو، بحثاً عن بلد للجوء تتوافر فيه فرص الحفاظ على حياتهم، والفنانون السوريون الذين هم جزء من الشعب السوري، يسري عليهم ما يسري على أبناء بلدهم، فيتشاركون نفس المعاناة، فهم أيضا طوحت بهم ظروف اللجوء إلى بلدان شتى، لكنهم لم يستكينوا إلى اليأس وإنما فتحوا جبهتهم الخاصة لمواجهة ما يحدث ووسيلتهم لتحقيق ذلك إعادة إنتاج العنف جماليا ليكون وقع رسائلهم أقوى، فنسجوا تفاصيل تغريبتهم ومأساتهم ووجعهم ووثقوا للجرح السوري المفتوح والنازف كشلال بالألوان المنزاحة للقاتم والمعتم مُخْلية حال سبيل الألوان المضيئة والضاجة بالحياة وبالبهجة إلا فيما نذر، محاولين إعادة السيطرة على الواقع من خلال أعمال فنية متضمنة لرسائلهم وعاكسة لرؤاهم، فجنحوا بالنتيجة إلى الرمز وتكريس جمالية المروع والبشع والمثير للاشمئزاز، فربطوا بين الفن والحرب بطريقة قوية، وأذابوا في أعمالهم بشاعتها المعلنة للتذكير بقسوتها وبقسوة الدمار الذي تخلفه، فهم بذلك يذكرون بالدماء التي تلطخ أيدي الطغاة. ويحاولون في نفس الوقت اكتساب الحصانة ضد العنف بالاستيلاء عليه جماليا. ... المزيد

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

ما رأيك في استغلال المنابر الدينية في الشأن السياسي؟

مقبول
مرفوض
لا أعرف