• الأربعاء 08 ربيع الأول 1438هـ - 07 ديسمبر 2016م

ما التاريخ سوى صـيد البشر للبشر

طروادة.. النمط وانزياحاته

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 05 مايو 2016

حنا عبود

ظهر الصيد في مرحلة جني الثمار، بينما ظهر الحصار في الثورة الزراعية، ولا فرق بينهما، فكلاهما يقوم على التطويق والتضييق والمطاردة والاقتناص ونصب الكمائن والانقضاض، والمناوشات الصغيرة وأحياناً الكبيرة... وسوى ذلك مما يعرفه الصيادون، كما يعرفه القادة العسكريون، وعلى الأخص رائد العلوم العسكرية الحديثة كلاوزفيتز، وكما أن عملية «الأكل» واحدة، سواء أكلت كرزاً أم برقوقاً أم فخذ ضأن... كذلك عملية الصيد. كل ما في الأمر أن الصيد في الحصار صار يجري بين الإنسان والإنسان بعد أن كان بين الإنسان والحيوان.

كلما تقدمنا في التاريخ ازداد صيد الإنسان وتراجع صيد الحيوان، فقد تبيّن أن الحيوان استكان واستجاب للترويض والتدجين، بينما ظل الإنسان خصماً لنفسه، يستحيل على ما يبدو وضع صيغة تمنع «الصيد» البشري. وفي الوقت الذي ينتهي الصيد عند الإنسان يكون التاريخ قد انتهى، فما التاريخ سوى صيد البشر للبشر، كأنه إثبات لبعض العقائد بأن البشر الحاليين من سلالة قابيل وليس هابيل. وعلى هذا يمكن الاستنتاج أن هذا النمط عنيد إلى حد بعيد، مثل عناد أنماط الشيطان والأب القاتل والمرأة الغيورة والكنة والحماة... نراه في كل مكان وزمان، إن لم يكن مادياً ففكرياً أو روحياً أو معنوياً، أو بطرائق أخرى. وكما تتكرر ضربات الصدر في كل مأتم حزين، وكما تتردد تعابير وتأوهات الأيامى والثكالى على رأس الفقيد، بصيغة تكاد تكون واحدة، فإن وصمة الحصار، ومصادرة أبسط الحقوق الإنسانية للمساومة عليها، لا تزال تلحق بالبشرية، كخصيصة من لصيق خصائصها، ولا تزال تتكرر وتتردد أصداؤها في التاريخ البشري.

ويمكن التعرف على أشكال الحصار أو الصيد البشري في التاريخ بمجرد معرفة الحالة البشرية القائمة، ففي المرحلة القبلية كان الحصار للقبيلة، وفي العصر الوسيط للقلعة، وبعد ظهور الصناعة للمدينة، وأما اليوم فقد اتسع نطاق الحصار حتى صار يشمل قطراً، بل أحياناً يصل إلى مستوى القارات... كما كثرت أنواعه، من اقتصادي إلى سياسي إلى أيديولوجي... كان مكان الحصار محدوداً من قبل، ولكن اليوم اختلف الأمر، فهناك ما يسمى «المنطقة المفيدة» يجري تطويقها وحصارها والاستيلاء عليها بحجة الأمن القومي. فقد ترى قوة عالمية في أي نقطة في العالم، وربما في الفضاء الخارجي، على أنها «منطقة مفيدة» لأمنها القومي.

وتكاد الإجراءات تكون واحدة، من تجسس ورسم خطط وتقدم بطيء، ثم تطهير محيط المنطقة المفيدة، ثم السيطرة على طرق المواصلات وخطوط الإمداد، ثم المناوشات والاشتباكات... ومهما اختلفت الوسائل، من المنجنيق حتى الصواريخ الذكية، فإن الصيد البشري واحد، والمنطقة المفيدة واحدة، ففي كل حصار لا بد من تدمير وشلّ القوى، ولم يعرف التاريخ غازياً اكتفى بمنطقة مفيدة واحدة، بل دائماً متعطش لمزيد من المناطق المفيدة، والقوى العظمى اليوم تتسابق إلى غزو الفضاء بحثاً عن «المناطق المفيدة»... كل هذا لا يختلف عن نمط حصار طروادة، إلا في الانزياحات التي أحدثها التطوّر.

طروادة في التاريخ ... المزيد

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

ما رأيك في استغلال المنابر الدينية في الشأن السياسي؟

مقبول
مرفوض
لا أعرف