• الثلاثاء 07 ربيع الأول 1438هـ - 06 ديسمبر 2016م

يعتقدون أنه يتمّ تربية البشر بالخوف

فلاسفة الهلع

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 05 مايو 2016

د. العادل خضر

هل يمكن أن توجد حضارة مجرّدة من عنصر الهلع؟ ألا تعمل كلّ حضارة بمختلف مؤسّساتها وهياكلها وأنظمتها على إقصاء هذا العنصر حتّى تتوافر أسباب وجودها؟ يجيبنا الفيلسوف الألماني بيتر زلوترداك Peter Sloterdijk، أحد من فكّر في مسألة الهلع، بأنّ الإبقاء على هذا العنصر والمحافظة عليه بكلّ السّبل هو من أسباب وجود الحضارات وقيامها واستمرارها. ونجد هذا التّصوّر عند بول فيريليو Paul Virilio الذي تبنّى في كتابه «إدارة الخوف» أطروحة أنّ الخوف هو وسيلة من وسائل الحكم لمّا بيّن أنّ الخوف ظل منذ المجتمعات ذات الأصول المونارشيّة إلى المجتمعات الدّيمقراطيّة يمثّل عنصراً ثابتاً في وسائل الحكم. ومازلنا نراه اليوم، أي سلطان الخوف، متحكّماً بسلطة المصلحة العموميّة باسم المصلحة العامّة.

يذهب فيريليو بعيداً في تحاليله، مستنتجاً أنّ الخوف كان موضوع عناية ورعاية بوسائل أخرى. ففي البداية كان الخوف يُرعى بالخوف النّوويّ، ثمّ بالخوف الإرهابيّ، فبالخوف البيئيّ الإيكولوجيّ. ويستحضر فيريليو ثلاثة ضروب من الخوف هي: توازن الإرهاب، واختلال توازن الإرهاب، والخوف الإيكولوجيّ. أمّا الخوف من الإرهاب فقد كفّ بسقوط حائط برلين، فاسحاً المجال لنوع جديد من الإرهاب موسوماً بالاضطراب وفقدان التّوازن هو ما نسمّيه اليوم بظاهرة الإرهاب السّياسيّ الّذي لا نعرف متى يضرب وينفجر، في لندن أم نيويورك، في مدريد أم فرنسا، في تونس أم في بغداد، في لبنان أم في ليبيا...؟ أمّا اليوم فنحن نعيش حالة جديدة من الهلع عظيمة هي الخوف الإيكولوجيّ أو البيئيّ. هذه الأنواع الثّلاثة من الهلع قد تناولها بعض الفلاسفة بالدّرس جاعلين من التّأمّل الفلسفيّ شكلاً من أشكال «فكر الخارج» la pensée de dehors أو «الفكر خارجاً» أو «من الخارج» الّذي تحدّث عنه بلانشو ثمّ فوكو في بعض ما كتب.

الخوف النّوويّ

ففي خصوص الخوف النّوويّ، أو التّفكير في الكارثة يثير الفيلسوف الألماني بيتر زلوترداك مسألة تتعلّق بإمكانيّة وجود الحضارات الحيّة بفضل احتكاكها بتجارب الهلع. ويثير هذا النّوع من التّجارب السّؤال التّالي: هل تحتاج هذه الحضارات إلى الكارثة؟ ألا تكون الكارثة شيئاً لا يمكن الاستغناء عنه لأنّه ضروريّ في تطوّرها ونموّها؟ ألا يكون النّاس في حاجة إلى الكارثة لأنّه ينبغي تربيتهم، ولا يمكن تربيتهم إلاّ بواسطة التّعليم بالكارثة؟ لنسجّل أنّ هذا الضّرب من التّعليم قد حصل لأوّل مرّة بمناسبة الحادث الّذي طرأ على مفاعل هاريسبورغ Harrisburg سنة 1979، (أو ما يعرف بكارثة Three Mile Island). فبخروج المفاعل عن كلّ سيطرة وتحكّم، وتهديد الآلة الجهنّميّة بالانفجار في كلّ لحظة، كان النّاس يمسكون بأنفاسهم هلعاً لأنّهم لم يكونوا على علم بما يمكن أن يحدثه الانفجار من دمار ساحق فحسب، وإنّما كانوا عاجزين عن تحديد المسافة الآمنة الّتي تضمن سلامتهم وبعدهم من ساحة الحدث.

ورغم هذا الهلع فإنّ حادثة هاريسبورغ بولاية بنسلفانيا قد كان لها تأثيرات عميقة على الرّأي العامّ بالولايات المتّحدة الأميركيّة. فقد كشفت ما في البرنامج النّوويّ من ثغرات. كما ساهمت حالة الذّهول الّتي عمّت خلال الأيّام الأولى من الحادثة في مضاعفة قلق السّكّان بسبب حوادث نوويّة أخرى حديثة العهد. ولعلّ من أبرز تبعات هذا القلق فقدان الثّقة في الطّاقة النّوويّة على نحو شبيه بالعدوى تجاوز الولايات المتّحدة الأميركيّة ليشمل السّويد وبلجيكيا وبلداناً أخرى. ذلك أنّ كارثة «ثري مايلز أيلند» قد بيّنت بما لا يرقى إلى الشّكّ محدوديّة الإجراءات الوقائيّة الّتي يمكن أن تتّخذ في مثل هذه الحوادث، ولكنّها كانت منطلقاً لتفكير فلسفيّ عميق في مسألة الزّمن السّياسيّ وعلاقته بعمل الميديا الحديثة ودورهما في صناعة مناخ سياسيّ جديد. والمقصود من عبارة الزّمن السّياسي هو ما ذهب إليه الفيلسوف الإسباني دافيد إينيرارتي Daniel Innerarity من أنّ السّياسة مكرهة اليوم على أن تفكّر في نفسها بوصفها حكماً في الزّمن، أو زمنيّة سياسيّة chronopolitique. فلم يعد من مشمولاتها العناية بالفضاء والموارد الطّبيعيّة أو العمل فحسب، وإنّما العناية بإدارة الزّمن والتّأثير في الشّروط الزّمنيّة للوجود البشريّ، وتعديل سرعة مختلف الأنظمة الاجتماعيّة، وتشكيل الإيقاع الدّيمقراطيّ. بهذا التّصوّر يضحي الزّمن السّياسيّ دالاًّ على أفق هذا الزّمن العموميّ ومناخه. وبهذا التّصوّر كذلك، تضحي الكارثة مجرّد مثال خاصّ من الزّمن العموميّ، وهو زمن تنتجه الأمواج الإعلاميّة والسّياسيّة الّتي تمنحنا صورة خاصّة لا سابق لها من الكارثة. ... المزيد

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

ما رأيك في استغلال المنابر الدينية في الشأن السياسي؟

مقبول
مرفوض
لا أعرف