• الخميس 09 ربيع الأول 1438هـ - 08 ديسمبر 2016م

رؤية بصرية حداثوية للمخرج علي إدعيم

«أهريمان».. خارج السائد المسرحي .. داخل الألم العراقي

حجم الخط |


تاريخ النشر: السبت 21 فبراير 2015

عبد العليم البناء

عبد العليم البناء (بغداد)

انطوى الموسم المسرحي العراقي على تنوع كان انعكاسا، لما يفرزه المشهد المسرحي العربي والعالمي، من تركيز على الصورة في بناء المسرح الحداثوي والتجريبي، على حساب الحوار «الملفوظ» الذي كان ومازال يطغى، على كثير من العروض العراقية والعربية الا ما ندر.

وفي هذا السياق جاء عرض «أهريمان» الذي احتضنه المسرح الوطني ببغداد مؤخرا، وصاغه كيروكرافيا الفنان العراقي المغترب على إدعيم، لحساب الفرقة الوطنية للتمثيل في دائرة السينما والمسرح العراقية، الذي سعى الى تقديم رؤية بصرية درامية جديدة، بإسقاط واضح على الواقع العراقي الراهن، الذي باتت تتلاعب بمصائر ابنائه، أجندات خارجية متنوعة، وجدت أرضا خصبة لدى عدد من المغرر بهم، او الذين اعتادوا على العيش على خلط الاوراق وركوب الموجة، لتحقيق مآرب ذاتية وفئوية ضيقة، متلفعين برداء الاسلام والاسلام منهم براء.

وإذا كان المسرح العراقي قد شهد تجارب مماثلة، كما في العروض التي قدمها طلعت السماوي العراقي المغترب هو الاخر، الذي كان عرابا لفرقة «مردوخ» التي نجحت بأعضائها الشباب في تقديم أعمال مماثلة، فقد عمل إدعيم، الذي كان واحدا منهم، على توظيف «الاسطورة» في بناء حبكته المسرحية ومعالجته الدرامية الصورية، بدلالات موحية ومعبرة عن شخصية ذات سمة اسطورية، الأمر الذي كشف عن قدرته على التعاطي مع المنجز الأسطوري، والعمل على إعادة إنتاجه على خشبة المسرح، وفق فرضيات إخراجية مغايرة لما توافر عليها في الأسطورة، ليسقطها على الواقع العراقي الراهن، وليغوص في البحث عن مسببات هذا التخريب والدمار الواسع الذي خلفه ويخلفه «الارهاب»، في بنية العراق المعروفة بثرائها المتنوع، بقصدية واضحة للاجهاز على كل منارات ومثابات الحياة.

فـ «أهريمان» هنا - كما في الاسطورة - هو «الشيطان أو روح الشر في الديانة الزرادشتية »، الذي جعله إدعيم رمز الجماعات الإجرامية المتطرفة، التي تعتمد الشر سلوكاً، والقتل منهجاً، عبر جماليات الحركات التعبيرية، والضربات الموسيقية، والتشكيلات البصرية التي توزعت على مستويات عدة، سواء عن طريق الأزياء وغطاء الوجه والألوان السوداء التي تشير الى الجماعات التكفيرية في عمق المسرح، أم أفراد المجتمع على اختلافهم (عن طريق الأزياء) في الوسط، فضلا عن المستوى الثالث الذي تمثل بـ «أهريمان» وقرينه بتسيدهما مقدمة المكان، مع ظهور صورة ضحايا مجزرة (سبايكر)، بالاستفادة من الوثيقة التلفزيونية الموجعة التي تعرض الضحايا في توصيف المشهد، وصولا الى ذروة الصراع بالكشف عن حاضنة الإرهاب الحقيقية من خلال العلامة التكنولوجية المعروفة (APPLE) والتي تأتي تعبيرا عن الهيمنة الأميركية وقدرتها المستمرة على صناعة الفوضى والدمار والموت المجاني.

وقد نجح ادعيم في تجربته في مسرحية «اهريمان» التي كانت حصيلة لما تعلمه واكتسبه من خبرة في دول الخارج وتحديداً السويد كالرقص التعبيري والدراما دانس وغيرها فيما يخص المسرح الحديث والمتقدم، وعمل على صياغة كيروكراف مسرحي متكامل الابعاد ليكون علامة مشرقة ومشرفة، لا يمكن تجاوزها من المعنيين بالمسرح العراقي، تأريخا، وعطاء، وابداعا حداثويا، يبدو أنه لم ولن ينقطع تعبيرا عن سيرورة التجديد، والتواصل، والاستمرارية.

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

هل يتبنى ترامب مواقف أكثر توازناً ،خاصة تجاه الشرق الأوسط، بعد توليه الرئاسة الأميركية ؟!

نعم
لا