• الخميس 09 ربيع الأول 1438هـ - 08 ديسمبر 2016م

الخروج من «الأنا»

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 14 يناير 2016

عذراً سيدي المواطن العربي..

في ظلّ التحديات والتعقيدات التي تمرُّ بها منطقتنا العربية حالياً لا ينفع بأي حالٍ الاكتفاء بكونك مواطناً عربياً عادياً، فالوقت قد حان لتكتسي مواطنتنا جميعاً ثوب الطموح وتتزين بالحلّة الإيجابية؛ فالمواطن الإيجابي المُبادر يُشارك في تشكيل منظومة أمن الوطن وحمايته ويتجرّد من العقلية الاستهلاكية وفقه الإقامة المؤقتة ويتعامل مع الوطن بمفهوم الشراكة المستدامة. فرق بين أن تحيا في دولة مواطناً أو مقيماً حاضراً بجسدك غائباً بفكرك وإيجابيتك دون جهد وإتقان متناسياً قول ربّ السماء: «وَقُلِ اعْمَلُوا...»، «سورة التوبة: الآية 105»، وبين أن يكون لك حضوراً فاعلاً تبرهنه بهمتك وغرسك وعزمك وتفعيل طاقتك الإيجابية؛ فالأول أنت أشبه بالحاضر الغائب، والثاني تترك بصمتك الإيجابية وحرصك وسعيك نحو الارتقاء بالوطن. ولنا أسوة في العديد من نماذج العطاء والوفاء ممن يواصلون مسيرتهم بيننا وأولئك ممن قدَّموا أرواحهم فداءً للوطن ودفاعاً عن هويته ورحلوا بين يدي عزيزٍ مقتدر، ليهبوا لنا الحياة والأوطان.

عذراً سيدي المواطن العربي..

لم يعد كافياً كونك موظفاً في مؤسسة حكومية أو خاصة أو مالكاً أو مساهماً أو مشاركاً في حقل من حقول العمل فهذه هي صفتك المهنية في رحلتك الأرضية القصيرة، لا تنسى أن لك أدواراً أخرى لا تقل عنها أهمية تتمثل في رسالتك الحياتية ومشاركتك المجتمعية وما تضيفه لوطنك؛ كأن تخصص من وقتك وجهدك ومالك وعطاءك - ولو بالقدر اليسير- لتكون فاعلاً في منظومة البناء والإعمار والتجديد والتطوير المجتمعي، لا تكتفي بالاصطفاف مع من ينتظر أن تمنحهم الحكومات بعض الهبات بينما هم لا يشاركون إلا بالفتات. المواطنة عطاء وسخاء ينبض بالانتماء للوطن الأم أو أينما كنت مقيماً في الوطن العربي الممتد، لأنك أينما حللت فمقامك في الحاضرين جدير، وأينما أخذتك خطاك في أرجاء العالم فأنت للعطاء والأخلاق سفير. المواطنة «تغافل» إيجابي عن صغائر الحياة والبُعد عن ساحات التناحر المجتمعي إلى التكامل الخيري والسعي الحثيث نحو «القيمة المضافة» لمجتمعك بجهد عنوانه الإتقان وجذوره حب الأوطان وبوتقته الإحسان.

عذراً سيدي المواطن العربي..

لم يعد كافياً أن تكون متمتعاً بجنسية خليجية أو عربية أو تمتلك جنسية إضافية تتباهى بها أمام شركاء وطنك؛ بل يجب أن تترجم اسم بلدك الذي طُبع في أوراقك الثبوتية إلى انتماء وتفهمٍ لتحديات اقتصادية وسياسية واجتماعية وبيئية وثقافية يمرّ بها وطنك الصغير الكبير، وأن تقوم بدورك لتجسّد المعنى الحقيقي لمواطنتك على أنها المبادرة والمؤازرة والمشاركة والمثابرة فلا يكون مقياسك لقيمة الوطن متوقفاً على منظورك الشخصي بتغير سعر البنزين صعوداً وانخفاضاً أو أسعار الأراضي والمخططات والماء والكهرباء وعجز الموازنة وترشيد الإنفاق وغيرها، فالقيمة الحقيقية للأوطان تكمن في أن تحيا حياة كريمة وتصبر على تقلبات الزمن فيها وتكون مشارِكاً بفاعلية في تفهُّم تحدياتها لأن السؤال المطروح الآن هو: «أن نكون أو لا نكون» وسط عواصف لا تقبل مقاعد المشاهدين.

لم يعد مقبولاً أن تقف محايداً أمام ما تسمعه من إشاعات أو تراه عيناك من أخطار تُهدد حياة المجتمعات، مطلوب منك الانتقال من مربع المشاهدين الناقدين إلى ساحة المشاركين بإيجابية في التحسين والتطوير، ومن الوقوف المحايد إلى المشاركة الفاعلة. لك أن تتخيل سيدي المواطن كم حادثٍ يمكن تجنبه وكم واقعةٍ يمكن معالجتها وقائياً أو احترازياً أو تحسينياً طالما أنك تعي حجم التحديات ومُدرك بأن الأوطان ليست فنادق للإقامة العابرة وليست مطارات ترانزيت لعبور مؤقت ولكنها شراكة مستدامة. الوطن ليس (الآخر) الغائب بفعله ولكنه (أنت) الحاضر بنبضك الإيجابي سواءً كان وطنك الأم أو مقيماً بِه إقامة مؤقتة أو دائمة.

آن أوان الخروج من بوتقة «الأنا» المحدودة إلى «نحن الوطن» المُمتدة قولاً وفعلاً. فالوطن ليس مجرّد مكان نقيّمه بحجم ما يملك من ثروة نفطية أو معدنية أو طبيعية أو عملات ورقية أو منتجات أو خدمات أو فرص استثمارية، إنما الوطن هو دار الاستدامة بثروته البشرية الإيجابية، وبعطائك ومشاركتك في رسم لوحاته بضمير المواطنة الإيجابية الفعلية وأنامل شركاء الوفاء والانتماء.

د. عماد الدين حسين

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

هل يتبنى ترامب مواقف أكثر توازناً ،خاصة تجاه الشرق الأوسط، بعد توليه الرئاسة الأميركية ؟!

نعم
لا