• الاثنين 22 ربيع الأول 1439هـ - 11 ديسمبر 2017م

«تركتك لله» للروائية السعودية شروق الخالد

رحلة دائرية للبحث عن خلاص

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 23 فبراير 2012

محمد خضر

يشير إدوارد سعيد في “النقد والمنفى” إلى الخلاص الجزئي في قصة دون كيخوت وكيف كان البطل يتعرض لدروب العماء بعد وقوعه في مجتمع مزيج من المثالية والتلوث، وهو ما يتقارب إلى حد كبير مع شدن بطلة رواية “تركتك لله” للروائية السعودية شروق الخالد، التي تحكي قصة حياتها من خلال مجموعة من الأحداث شكلت حكايتها العاطفية الصعبة، تعيش مع أمها الأرملة التي تشوه في داخلها في البدء قيماً عزيزة في الحياة، وتقع شدن في حب رجل عن طريق الشبكة الإلكترونية يلقب (إكس) واسمه عبدالله بعد متابعة ما يكتب، ولكنها سرعان ما تبدأ في اكتشاف هذا الرجل عن كثب سيئاته التي لاتطاق وحياته المليئة باستغلال نفوذه ووضعه المادي والثقافي والنساء الكثيرات حوله، وتبدأ في رحلة خلاص ضمن سرد دائري.

شدن التي تدرس الطب وتبوح لزميلها فيصل بالكثير من أسرارها وما يحدث لها وهو الرجل المثالي والجهة المفضلة لديها لتفريغ طاقة الحزن وويلات الحياة، يستشعر دوما خطورة ما تقدم عليه لكن بلا أي إجبار يدلي برأيه ويكتفي بدور الموجه والمرشد عن بعد، ثم تتراكم الأحداث من حولها لتصور ضمن كل تداعياتها فصولا من حياة شدن وقصتها الواقعية كما تشير شروق الخالد في مقدمة الرواية، فزواج أمها من فهد المسؤول الجامعي وكيف ابتزها في نهاية الأمر(...).

ومن بعيد يلوح فيصل ويختفي ويتابع ويتحرى ويدخل في نسيج القصة، يتصاعد الحدث وتقود الأمور شدن إلى زواجها من رجل مريض بالقلب أحبته وعاشت معه لحظات شعرت من خلالها بالأمان والحياة مجددا، لكن سرعان ماعاد عبدالله مثل شبح في كل مكان مرددا كلمات الحب الميتة والمخادعة مما جعلها تفكر في الإيقاع به عن طريق خطة مدروسة فترسم وتخطط وتتفق مع الجهة المعنية بالقبض عليه، لكن ذلك لم يكن أيضاً نهاية المطاف فعثور زوجها بالصدفة على أثر عبدالله بين يديها يجعله يصاب بنوبة ويموت على مرأى منها ومن ثم تتزوج فيصل، بينما كانت هي الأخرى قد أصيبت بالسرطان.

الرواية تحكي واقع مجتمع متأزم ومزدوج ويكشف عن أسرار بعض الأوساط الثقافية الدعيّة وكيف تمتلئ بالزيف والخداع في سبيل نزوات البعض وعمائهم جراء ما يصلهم من شهرة أو وضع مادي جيد يمكنهم وهم الدخلاء جدا من شراء البعض بكامل نتاجهم الإبداعي أمثال عبدالله نفسه الذي عرف في الأوساط الأدبية كشاعر شعبي، والذي اكتشفت شدن كيف اشترى كتابات أحدهم وأمره بالغياب المطلق بمقابل من المال، وكيف ينخدع مجتمع بأكمله بالكثير من حالات الزيف عن طريق الثقافة وإدعائها. وهي أيضاً رواية الحياة المليئة بالخيبات. ثم يلخص الورم السرطاني ويكلل حياتها بنهاية أبدية، وكأنها في رحلة طويلة تصارع فيها الحياة برمتها من أجل لحظة خلاص. حتى الحب لم يكن خلاصا ولاحمل لها أدنى قيمة من معانيه الواسعة والعميقة بل جرعها مرارة حياة متشابكة بحبال لا تنتهي وأودى بقلبها إلى الضيم من خلال شخصية عبدالله التي تصفه قائلة: “وأنت مثال للشخص المتزمت المليء بالعقد” وتتساءل “كيف كنت معمية بحبك إلى هذا الحد؟” إنها الشخصية التي تجعلنا كقراء نتسائل طيلة الرواية ما الذي دفع شدن لحبه بهذا الشكل مع كل ماحدث إذ لاتلوح أي حسنة أو صفة يمكنها أن تجعل أمر الحب هذا مبررا ولا تحمل لها مسوغات كافية بل وفي أحرج وأضيق اللحظات به تكتبهما شروق الخالد كحب لكن كأنه يستمد نفسه من قوى خفية لم تقلها الرواية، ثم أنها شخصية متناقضة يبدو الفصل الأخير من الرواية كاشفا لها فهناك الكثير من صدق المشاعر لكنه الملوث والانتهازي والأناني والمريض في كثير من الأحيان.

إنه الواقع تسرده لنا شروق الخالد في “تركتك لله” الرواية التي تسللت من حجرات الحياة نحو الإبداع لتنكتب والتي لم تكن ستخطر على بالها لولا أن رسالة ما وصلت إليها عبر إحدى دور النشر تقترح اسمها لكتابة هذا النص وكانت مخطوطة كتب في بدايتها “وصلتني هذه المخطوطة من إحدى عشيقاتي السابقات، حبيبتي الأخيرة (شدن) عن طريق زوجها..” وطلب فيها أن يجدوا من يكتبها وعدم التصريح باسمه وإلا فإنه سيلجأ للقانون.. وهو موقف غريب مع مشروعيته لكنه يثير عددا من الأسئلة بشأن بحث المبدع الدؤوب في حياته القريبة منه لكتابة الإبداع، وهي ما نجحت شروق في كتابته فيما يشبه المذكرات المفتوحة على استلهام ما يتوفر لديها من معلومات عن شخوصها..

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا