• الخميس 02 ذي الحجة 1438هـ - 24 أغسطس 2017م

علاقات وصراعات في رواية الحبيب السالمي «نساء البساتين»

الرمز.. اختزال الحكاية

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 23 فبراير 2012

سلمان كاصد

تكاد موضوعة الرمز في الرواية تشغل بال النقاد في كل العصور التي مرت بها حركة النقد، ومع مختلف المدارس التي حاولت أن تقدم فيه رؤاها وتصورها لهذه الموضوعة الغامضة التي أطلق عليها بـ”التمثل الإشاري”.

أما غموض الرمز، فيأتي من إمكانية المطابقة أو عدمها، وأقصد بذلك، أن المطابقة تعنى بالتشابه في تأويل المتلقي مع اجتراح الكاتب، حيث نجد في بعض الأحيان أن التأويل يصادف غرضه ويصبح صحيحاً فيطابق ما جاء به الكاتب، ونجد في أحيان كثيرة ما يفارق هذه المطابقة، إذ يصبح التأويل في واد والغرض في واد آخر.

ومن الضروري حقاً أن يشتغل الروائي تحديداً عندما يكون موضوعه بسيطاً على فكرة الرمز، إذ عبر بساطة الموضوع تتجلى أهمية الرمز، ولا بد للرمز أن يكون في البنية العميقة للنص، ولكن بوجود إشارات أو علامات تدل عليه، كي نقترب منه بسهولة ويسر.

وقد أتساءل: هل الرمز جزء من صنعة الرواية، هل تصوغ البنى الشكلية في النص طبيعة الرمز، أم يظل الرمز كونه مكوناً خفياً يقبع في زاوية المضمونية، مستمداً كيانه القوي من العلاقات التي يبنيها الروائي داخل حكايته وبين شخوصه؟ أي بشكل آخر هل تؤثر البنى الشكلية الروائية بالرمز فتخلق منه موضوعة غامضة أم أنه مرتبط بالمضمون فقط؟

تطابق الشكل والموضوع

أعتقد جواباً على كل أسئلتنا هذه أن الرمز يشتغل على بنى متعددة منها بنية الشخوص، وبنية الصراع، وبنية الشكل، ومدى مطابقته للموضوع الروائي وأن نأخذ مثلاً على بنية الشخوص، إذ إن نجيب محفوظ في “ميرمار” جع كل من “زهرة” رمزاً لمصر والتي كان يتصارع عليها عدد من ممثلي الطبقات الاجتماعية والسياسية وأن “بنسيون ميرمار” هو بحد ذاته مكان افتراضي رمزي لأرض مصر، وأن هذه الفتاة الآتية من الريف المصري كانت عرضة لاستحواذ الصراعات الخفية والمعلنة بين ساكني البنسيون من وجوه وشخصيات توحي عبر أفكارها أنها تنتمي إلى طبقات واتجاهات متعددة وما يشابهها في الرواية العالمية الإخوة كرامازوف لدستوفسكي، ومثالنا على بنية الصراع، ما نجده بوصفه رمزاً متجلياً فيه، في الصراع الذي أقامه نجيب محفوظ أيضاً في “أولاد حارتنا” بين “الجبلاوي” الأب الأول و”عرفة” كون الأول يمثل هيمنة الروحانيات والثاني يمثل فورة العلم والمعرفة، لذا نجد المطابقة بين “عرفة ـ المعرفة” حين يذهب ليفجر بالديناميت قبر الجد الأكبر والأعظم “جبلاوي” في خاتمة الرواية، وربما تحفل الأعمال الروائية العالمية أغلبها بطبيعة هذا الصراع من مثل “الساعة الخامسة والعشرون” لجيورجيو و”الحرب والسلام” لتولستوي وغيرها، وحول بنية الشكل ومدى مطابقته للموضوع الروائي، أن الروائي قد يخلق بنية شكلية لروايته تشابه مضمون الرواية، من حيث التقسيم والترتيب والتماسك والتصدع، فحينما يتماسك الشكل فإنه يعبر كنتيجة عن تماسك المضمون، وحينما يتصدع الشكل مشابهة مع تصدع المضمون، ولا أدل على ذلك من “عمارة يعقوبيان” لعلاء الأسواني، حيث يتصدع الشكل والمضمون معا ويحمل ذات الفكرة ميشيل بوتور في “عمارة نيس” حين اتهم الأسواني بسرقة بنائه الروائي، وهو الذي يقول في كتابه الشهير “بحوث في الرواية الجديدة”: “إن الروائي ليس هو مَن يصنع الرواية، بل الرواية هي التي تصنع نفسها بنفسها”، كما انه من يعرض كيفية كتابتها بقوله “لا أستطيع أن أبدأ بكتابة رواية إلا بعد أن أكون قد درست تنظيمها شهوراً عديدة، والابتداء من اللحظة التي أجدني فيها مالكاً المخططات الضرورية التي تبدو لي فاعليتها معبرة وكافية بالنسبة للمنطقة التي استدعتني في بادئ الأمر”. وليس أدل على ذلك من مشابهة الشكل للموضوعة من التركيب الذي بناه الروائي العراقي فؤاد التكرلي في “الرجع البعيد”، حيث توخى شكل الصليب الذي أعدم عليه بطله مدحت شكلاً لروايته وهنا طابق بين شكل الرواية ومضمون الحكاية مع خريطة العراق والنخلة. ... المزيد

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا