• الأربعاء 28 محرم 1439هـ - 18 أكتوبر 2017م

الديوان للعقاد والمازني: ثنائية التنظير والتطبيق.. النقد والتجريح

إعلان نقدي مبكر

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 23 فبراير 2012

“فالعيوب المعنوية التي يكثر وقوع شوقي وأضرابه فيها عديدة.. ولكن أشهرها وأقربها إلى الظهور وأجمعها لأغلاطهم عيوب أربعة، وهي: التفكك والإحالة والتقليد والولوع بالأعراض دون الجواهر. وهذه العيوب هي التي صيرتهم أبعد عن الشعر الحقيقي الرفيع المترجم عن النفس الإنسانية في أصدق علاقاتها بالطبيعة والحياة..”.

العقاد، الديوان في الأدب والنقد

لم يثر كتاب العقاد والمازني “الديوان في الأدب والنقد” ما أثاره كتاب طه حسين “في الشعر الجاهلي” رغم سبقهما له، لأن طه حسين كان يقاضي العقل والفكر والطريقة المنهجية عامة، فيما تبدو أطروحة الديوان مقاضاة ليقين خاص وكأنه مُساءلة خاصة لشوقي وشاعريته وشهرته. صدر الجزء الأول من الديوان في يناير 1921 والثاني في فبراير من العام نفسه، وربما لانحسار أثر الكتاب لم تظهر الأجزاء الثمانية الأخرى كما وعد المؤلفان في مقدمة الكتاب الذي أرادا أن تكون “وِجْهته الإبانة عن المذهب الجديد في الشعر والنقد والكتابة..”، لكن ملامح هذا المذهب الجديد التي يفترض أن تتضح في الكتاب لم تستوفِ حقها إلا في موضعين في فصلين منه لأن المؤلفيْن ـ والعقاد خاصة بكونه تولّى نقد شعر شوقي فيما انصرف المازني الى نقد نثر المنفلوطي والرافعي وتعليقات قليلة على شعر شكري ـ جعلا المستندات والمفاهيم النظرية تابعة لعملية هدم النصوص المنقودة لا العكس. فكان استقصاء عيوب شعر شوقي هو المناسبة لبسط الفرضيات النظرية بسرعة وعلى وجه الإجمال. رغم ذلك كان لمقترحات العقاد مكانها في الشعرية السائدة لا سيما في الثلث الأول من القرن الماضي الذي يعد بحق زمنا للتغيير وتطوير الرؤية الفنية والحساسية الشعرية. فظهرت فيه كتابات المهجريين والشابي وجماعة أبوللو وروفائيل بطي والزهاوي ومطران وأمين الريحاني وجورجي زيدان والتنويريين والإحيائيين، فكان تاريخا للتمهيد الجاد للتجديد الذي سيعلن عن نفسه ببرنامج مسمّى ومعروف هو الشعر الحر في الأربعينيات تحديدا.

مدرسة أم جماعة؟

يساور الباحثين في النظرية الشعرية وتطورها في النقد العربي الحديث شك حول إطلاق وصف المدرسة أو الجماعة في تقييم جهد العقاد والمازني، وشكري، زميلهما لفترة محددة. ولا تتوافر مطارحاتهما الجدلية واضحة الغرض في ثنايا الديوان بجزأيه المنشورين على عناصر نظرية تكفي لذلك الوصف. ويمكن ملاحظة غياب البديل الشعري لنموذج شوقي والمقلدين باصطلاح الديوان. وحضور عبدالرحمن صدقي بديلاً في قصيدة النشيد القومي عن شوقي الذي فاز في المسابقة لا يكفي لان نعد صدقي شاعر جماعة الديوان كما كان الشابي شاعر أبوللو، وميخائيل نعيمة شاعر الرابطة القلمية في المهجر، أعني النموذج الذي يقدم شعره كتجسيد لما تبشر به الجماعة. ولعل غياب التلاميذ والمقلدين لجماعة الديوان تضعف وصف تكتلهم بالمدرسة. وهي إحدى مبالغات مؤرخي الأدب المتغافلين عن جهود مهمة في الفترة نفسها ذات منطلق أكثر تجرداً وأشد حماسة للتجديد من العقاد الذي سرعان ما سينقض بنفسه ما كان يدعو إليه بل لم يكن شعره المتواضع فنيا يؤهله ليكون مستندا نصيا يعزز التنظير الفائق في الديوان والتجاوز للمفاهيم السائدة في حينها بل لا يقارب طموح العقاد في تحدي شاعرية شوقي الذي وصفه بأنه مقلد المقلدين وراح يتعقب أبياته وتشبيهاته وهياكل قصائده ولغته ليؤكد أنه لا يستحق ما نال من شهرة ومكانة في حينه. بل عمد إلى مبحث السرقات وقارن بهديه بين قصيدة رثاء لشوقي بقصيدة المعري الشهيرة (غير مجد في ملتي واعتقادي) وكشف عبر توافقات الإيقاع والافكار والصور عبر (سرقة) سيئة وتصرف بالنص المسروق. ويمكن ان نتخيل رد فعل جمهور الشعر ومتلقي القصدة حين يتهم أمير شعرائهم وكبيرهم بمثل ذلك، فضلا عن السخرية الجارحة والنعوت الخارجة عن الموضوعية التي اكتظت بها صفحات الديوان ولم ينج منها نقد المازني العنيف للرافعي وللمنفلوطي وأخيراً لشعر شكري نفسه.

تكمن أهمية الديوان إذن في كونه إعلانا نقديا عن نبذ التقليد المتلخص في شاعرية شوقي والتعرض لرمز شعر مكرس تهتز بالتعرض له قناعات الشعراء والمتلقين حول عناصر الشاعرية التي يتوخاها العقاد بديلاً لما عاب فيه شوقي. ... المزيد

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا