• الثلاثاء 30 ذي القعدة 1438هـ - 22 أغسطس 2017م

من دفتر السر: سارتر، سنّمار، ريتسوس

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 23 فبراير 2012

أحمد راشد ثاني

عن دار شرقيات صدرت ترجمة (أدّاها: أحمد عمر شاهن) لمقابلة طويلة (128 صفحة من القطع الصغير) مع المتفلسف الفرنسي جان بول سارتر المتوفي عام 1980 بعنوان “صورة شخصية في السبعين”، أي قبل وفاة الفيلسوف بسنين معدودة.

رُبّما بهدوء كبير يجلس سارتر إلى الصحفي كي يجيب عن أسئلة تتعلّق بتفاصيل حياته الشخصية: حالته الصحية، علاقاته الجنسية، حبه، صداقاته، كراهياته، سلطته، شهرته، نقوده، مواقفه وأعماله. كما ويجلس صحفي قريباً جداً من سارتر، فهو حين يسأل فإنما يسأل من معرفة تفصيلية وقريبة بأعمال ومواقف ونزوات سارتر. كل ما يمكن قوله مطروح على الطاولة، فليقل إذن كل ما يمكن قوله إذ أنّ “وجود الإنسان لا بد أن يكون مكشوفاً كلياً لجاره الذي سيكون وجوده هو الآخر مرئياً كلياً وما التحفظ إلا وليد “عدم الثقة والجهل والخوف” وهذا الذي يبعدنا عن “الثقة بالآخر وائتمانه”. ولذا فأنا شخصياً لا أعبر عن نفسي صراحة في كل المواضيع مع الناس الذين أقابلهم، لكني أحاول أن أكون شفافاً قدر الامكان، لأني أشعر أنّ تلك المنطقة المظلمة التي بداخلنا، مظلمة لنا ولآخرين، ويمكن أن ننيرها لأنفسنا فقط عند محاولة إنارتها للآخرين”.

إنارة الداخل للخارج، في الخارج، هو ما يحقق الشفافية في نظر سارتر، تلك الشفافية التي يؤمن بأنها ستحل “مكان السرية، وأستطيع أن أتخيل اليوم الذي لا يكون فيه أسرار مطلقاً بين رجلين، لأنه لم تعد هُناك أسرار بين الناس لانفتاح الحياة الذاتية والحياة الموضوعية أمام الجميع، فمن المستحيل تقبل حقيقة أننا نسلم أجسادنا للآخرين كما يحدث، ونحتفظ بأفكارنا مستترة، فأنا لا أرى اختلافاً أساسياً بين الجسد والوعي”.

ليس تسليم الجسد في العلاقات الجنسية فحسب، “فأنت تسلَّم جسدك لي وأنا كذلك، بالنظر، باللمس، فكلانا موجود بالنسبة للآخر كجسد، ولكننا لا نوجد بالطريقة نفسها كوعي، كأفكار، برغم أنّ الأفكار هي تكييف للجسد. إننا أردنا أن نوجد، كحقيقة، بالنسبة للآخر، أن نوجد كجسد عار دائماً ـ حتى لو لم يحدث ذلك فعلياً ـ فعلى أفكارنا أن تظهر لآخرين كنتاج لأجسادنا. فالكلمات ينطقها اللسان والفم، كل الأفكار تظهر بهذه الطريقة حتى أشدها غموضاً وأكثرها تفاهة وأقلها، آنذاك لن يكون هُناك حجاب. تلك السرية التي كانت في عصور معينة تعادل شرف الرجال والنساء، تبدو لي غبية جداً”.

ولكن أين تذهب من هُنا تلك الثقافات القائمة على الأسرار، تلك المجتمعات، أولئك الأفراد؟ أليس كشف السر والحرية صنوان؟. بمعنى آخر أليس من ضرورة أنْ تكون حراً هو إمتلاكك للقدرة العظيمة والخطيرة في فضح ما يستلبك في الداخل ـ داخلك وداخل محيطك أو في الخارج؟. ثم أليس تمجيد السر (في منظومة الغزل العربي مثلاً) هو من الجانب الآخر تمجيداً للطاعة وللعبودية؟

المجتمعات العبدة، القائمة على الأسرار مجتمعات تسودها الغلبة وتنتهج القمع وتعيش الكبت: إن كشف ما يجري هُنا أو هُناك، عند الغني وعند الفقير، في الخفاء وفي الخلف.. إنّ هذا الكشف، هذا الفضح، هذا الهتك هو السبيل الوحيد لحرية هذه المجتمعات، وهو السبيل الوحيد لتقدمها، فكلما ازدادت واتسعت مساحة السري الاجتماعي والسري السياسي في أي مجتمع قلما ازداد تخلفه وطاولت ديكتاتوريته كل شيء حتى يصل في النهاية إلى قتل كل الشهود ومطاردتهم، وما الشهود إلا الأقرباء العارفين المطلعين على السر. كذلك المعرفة، كذلك الابداع هو شهادة وهو هتك لحصن السر المنيع. إن السرّ ليس كل ما ينطوي عليه قائم اجتماعي ويحرسه ليخفيه ويخفيه ليحرسه ويقيم الحصون، بل في ماضي القوائم الاجتماعية والهياكل السياسية، في بنى الاستلاب التي تتأسس عليها السلطات. إنّ الحرية أيضاً ليس في أن يفعل الإنسان أي شيء تحت نظر وسمع السلطات وبشروطها. الحرية هي تلك الرحلة الطويلة التي يقطعها الفرد في المجتمعات والمجتمعات في الفرد للتحرر من الاستلابات والأسرار نحو أسرار أخرى، إذ أن معين الظلام لا ينضب. ... المزيد

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا