• الجمعة 30 محرم 1439هـ - 20 أكتوبر 2017م

من زمان وأنت تستجدي الناس بألا يغيروا اللحن الخليجي حتى نخاع الماء وعظم التراب

يا بحر في أحشائك الدر.. وفي القلب أنت الساكن الحر

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 23 فبراير 2012

علي أبوالريش

من نافلات أو معضلات، من ساريات الظل الجاريات، في السماوات الزرق، من نفير أو زفير الغواصين تنفست وهجت ومجت وثارت ثائرة الموج حين صفعت الريح خدك الأملس، فافتقدت كبرياءك وصلت وجلت وحلبت العرق العريق من عروق النازفين ألقاً، صرت أنت السمك والسماك، وأنت الهوى والأشواق، وأنت النديم والسديم، والقديم المتقدم دوماً نحو غايات الغارفين من أحشائك الدر والسر، وأخبار التراب المسكون بأعشاب الفرح والترح.. من وعيك القديم.. القديم، قبل وبعد أن تغمض عيون السمكات على ملح وجرح، وضم وفتح، أيقنت يا بحر أنك الساحر المغامر، المجاهر بعشق ونزق، تحتسي من ملح الأجساد فخارك، وتمارس الوغى والغي بنبل النجباء، وشهامة الأوفياء، وتكرس موجاتك العارمة، بمداها تباغت في الفجوات بجفوة العظماء، وقسوة الندماء، ونشوة الأحباب حين يلون القمر عتمة الكون بأغنيات الساهرين المسافرين القابضين على الجمرات، المزملين بالآهات والأنات والزفرات والشهقات.. تقارع السماء بالسطوة وتبارك خطاها بالنخوة، وتمد مداك للمدى بكل سدى، وتحض حضيضك، وتخض خضيضك، وترضي رضيضك، حين تكفهر فلا تجير ولا تستجار، لأنك القاهر الجبار، المتكبر القهار، العظيم في عطائك، الأليم في بلوائك، الأثيم في جزائك، القابض الرابض عند مكمن القلب، السالب المتسبب في أسباب الحرات والحرقات، الناطق بالزبد والأبد، والمدد والسهد والكمد.

العجيب الرهيب

ذاك النهام الواقف في الأمام عند صدر المحمل، يندب ويشجب، وفي الغالب ما يستقطب عطفاً ولطفاًَ من سيادتك وزعامة حضرتك وأنت تحفر في الساحل تواريخ ومواعيد الذين لم يصلوا ولم تخرج رؤوسهم المبللة من نافذة الماء، ذاك النهام الذي تعرفه يبدو وكأنه تقاعد أو تقاعس أو رفس النعمة ليجلي عن وجهه الأسمر سحابة الملح، ويسترخي تحت نوافير الهواء الباردة، ذاك النهام يذكر جيداً تلك الثكلى التي حثت الرمل على الوجه ونعت وانتحبت في نسيج ساخط قانط وتدعو من الباري أن يعيد المفقود، ولا عودة لمن أفناه الطموح في الغايات المدلهمة.

ذاك النهام ينادي يا بحر قلبي من صخر فتته الموج، وصرت أنت العجيب الرهيب المهيب، عصي الدمع والاستجابة، يا بحر هذا صوتي يشق قميص المدى، ويتسرب بلا هدى، لعله يطيح بشيء من الجبروت، هذا صوت شراع يعتلي صدر السفينة بلون الفضاء الوسيع، يتطور نسلاً عن وجع قاب قوسين من الشفاق.. يا بحر أنت القويم المستقيم عند صراط الولع البشري لأن في عمقك زرقة الوجود وفي بلل عشبك رطوبة التداخل ما بين الأشياء.. يا بحر هنا في هذا المكان المتراص في البقعة المباركة يكون التدثر بالماء جبلة العاشقين وطهورهم ووقارهم وحشمة التراب النبيل.. يا بحر لو جف الماء واستخف الساحل بهدير الموجة لما جث الأرض بالزئير، واحتلمت الأسماك بقطرة تنز أفئدتها بالصرخة تلو الصرخة.. يا بحر ما الذي يتساقط من شفة الموجة غير رضاب، وما الذي يفوح من وجنتيها غير رائحة النزيف.

من زمان العرفان والوجدان الجميل، كان البحار يسافر لأجل التقاط غرة الحياة، وكان يهز جذع الموجة ليتساقط الأمل، فجراً يعربياً يملأ الأحشاء والأرجاء نوراً ينقش بهاءه تفاؤلاً، وتساؤلات تفتح علامات استفهامها إلى ما لا نهاية.. يا بحر من زمان، والذاكرة تغتسل برماد الماء، وتسرج خيولها لأجل احتمالات تؤرخ للبحر، وتكتب رسالاتها الشجية من حبر النساء الفارقات المدنفات من سطوة أو كبوة.... يا بحر.. من زمان الأشجان، وأنت تغرف من قديمك، تحيط بذراع ويراع، مستجدياً التضاريس بألا تحرك ساكناً بعيداً عن سواحلك، مستجدياً الناس بألا يغيرون اللحن، واللحن خليجي حتى نخاع الماء وعظم التراب.. لا تسقط الأشياء تقادماً، ولكنها تسقط عندما يجف الريق، ويعجف العود، وتسترخي عضلات الكون متخلية عن الثوابت والنوائب.. يا بحر.. لهذا الساحل رائحة المراكب التي هطلت كالماء، واستراحت وغنى أصحابها.. يا ليل.. يا عين، وترنم العود بأوتار العائدين فرحاً، المترفين شوقاً، المناظرين إلى عيون نسائهم نظرة الأشياء المفقودة المحدجين بشغف المتشظين، المرابطين عند شواطئ.. لعل وعسى.. المبتهلين إلى الثوب العتيق لعله ينضج برائحة الطيب وعبق الرغبات الكامنة ورونق الأعناق المشرئبة من أسف الغياب واضطراب المفاصل واختلاج الفواصل.. يا بحر ظلك هذا المترنح عند خطم المراكب المحطمة، وجدك هذا المتفجر غيظاً من أثر الجفاء والجفاف، غيك هذا المتحدر من سلالات ندماء قدماء تضوروا وتضرروا لكنهم ما ضاقت بهم سبل الحيلة لانتحال العشق سبباً للحياة وأزميل نخلة غارقة في التداخل واحتلال مناطق في الذاكرة لا تنجلي والأيام.. يا بحر هذا عزقك وهذا عزفك وهذا عزمك وهذا صوت النهام يراقص الشجر والبشر.

أقوال المرأة ... المزيد

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا