• الجمعة 10 ربيع الأول 1438هـ - 09 ديسمبر 2016م

هل يدفع الفرنسي ثمن قصور الطبقة السياسية، وتحامل الإعلام، وغزو المهاجرين المطبقين المتكالبين على البلاد من كل باب؟

«الأخ الأكبر» الفرنسي!

حجم الخط |


تاريخ النشر: الجمعة 20 فبراير 2015

ينطلق الكاتب الفرنسي لوران أوبرتون في كتابه الصادر مؤخراً تحت عنوان: «فرنسا، الأخ الأكبر» من إحالة ذهنية بالغة الأهمية إلى رواية «1984» للأديب البريطاني الشهير جورج أورويل الذي تحدث فيه عما سماه «الأخ الأكبر» big Brother في كناية عن قوة وصاية ورقابة الأجهزة وجهات الضغط الاجتماعية والسياسية على الأفراد في المجتمع، مما يقيد خصوصياتهم وحرياتهم الشخصية، والحرية العامة في المجتمع ككل. وقياساً على هذه الصورة الذهنية، أو النمطية، عن «الأخ الأكبر» الذي يحشر أنفه في كل شيء، ولا يريد ترك هامش للأفراد ولا لمبادراتهم يحاول أيضاً الكاتب «أوبرتون» في هذا العمل إسقاط ذات الصفات على الحالة الاجتماعية والسياسية والإعلامية الفرنسية الراهنة. وقد سبق للمؤلف أن أثار كثيراً من السجالات في فرنسا على خلفية كتابين من ذات الشاكلة الناقدة أصدرهما من قبل وحظيا بقدر كبير من الاهتمام، بين مؤيد ومعارض للتوصيفات الواردة فيهما، والتي لا تخلو أحياناً كثيرة من المبالغة والتهويل.

ويسعى المؤلف في كتابه الواقع في 361 صفحة، و10 فصول، الذي يجمع فيه كثيراً من شهادات الصحفيين، ورجال السياسة، والمتنفذين، لإقناع قارئه بأن كل شيء في فرنسا اليوم هو موجه لممارسة دور «الأخ الأكبر» على حساب الإنسان العادي، وهويته وحريته، وتستوي في هذا قمة الهرم في السلطة، والحكومة، والإدارة العمومية، ووسائل الإعلام، وحتى من يسمون «الخبراء» في كل مجال، والمتأدلجون، ومروجو الفكر الأحادي، والشاشات الكبيرة، والصغيرة، وهذه هي الحقيقة على رغم كل ما قد يبدو من مظاهر أخرى لمجتمع ديمقراطي، ينعم بالحرية، ويحترم الخصوصية، في مختلف صورهما.

ويفيض الكاتب في تتبع ما يعتبره مظاهر الرقابة والتدخل في الخصوصيات والعيون المحدقة والساعية للتأثير في كل شيء وتشكيل كل مظهر من مظاهر السلوك الفردي أو الجمعي، تماماً على الطريقة التي تحدث عنها «أورويل»، بل أكثر من ذلك من خلال محاولة النفاذ إلى شغاف النوايا ومحاكمة الأفكار، بمنطق الأحزاب والإيديولوجيات، وإرسال كل فكرة أو كلمة إلى خانة من خانات التصنيف الجاهزة، والأحكام المسبقة، ضمن حالة عامة بل عارمة من السلطوية الاجتماعية والثقافية شبه المطلقة.

ومثل كتابه السابق عن «فرنسا البرتقالية الميكانية» يحاول الكاتب هنا أيضاً الإيهام بأن بلاده قد وصلت درجة من تردي الأوضاع تدعو للاكتئاب، وخاصة فيما يتعلق بالجوانب الأمنية، حيث باتت حالة انعدام الأمن في الفضاء العمومي هي القاعدة، وكل ما عداها هو الاستثناء. ولعل تأكيد الكاتب المتواتر على هذه الجزئية تحديداً يعد خيط فهم مهماً قد يسمح بوضع كتابه، بل كتبه كلها، في سياق مفهوم وذي دلالة خاصة في السياق الاجتماعي والسياسي الفرنسي. ذلك أن هموم الأمن، والضيق بما يسميه «الأخ الأكبر»، يعدان علامتين مسجلتين عادة باسم اليمين الفرنسي المتطرف، الذي يحمّل الهجرة ومخرجاتها مسؤولية كافة مشكلات فرنسا الراهنة، وهي ذاتها الهجرة التي تربط حصراً بالهمّ الأمني، زيادة على كونها مظهراً من مظاهر فشل «الأخ الأكبر» ممثلاً في الحكومة، والطبقة السياسية، وأجهزة الإعلام المستقطبة التي تقدم الخرافة على أنها الحقيقة، وكذلك الثقافة الرسمية ذات الخطابة الحقوقية التقدمية، التي تأتي تقدميتها في كثير من الأحيان على حساب الإنسان الفرنسي «الأصلي»، كما يحلو لليمين الفرنسي تصويره أو تصوُّره، الذي يدفع ثمن قصور الطبقة السياسية، وتحامل الإعلام، وغزو المهاجرين المطبقين المتكالبين على البلاد من كل باب!

حسن ولد المختار

الكتاب: فرنسا.. الأخ الأكبر

المؤلف: لوران أوبرتون

الناشر: رينج

تاريخ النشر: 2015

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

هل يتبنى ترامب مواقف أكثر توازناً ،خاصة تجاه الشرق الأوسط، بعد توليه الرئاسة الأميركية ؟!

نعم
لا