• الجمعة 03 ربيع الأول 1438هـ - 02 ديسمبر 2016م

المكتوب التهم الكاتب والوهمي افترس الواقعي

تحوّلات دراكولا

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 19 فبراير 2015

حنا عبود

يعرف القراء قصة دراكولا التي كتبها المؤلف الأيرلندي برام ستوكر. إن لم يعرفها بعضهم قراءة، فلا بد أن يعرفها فيلماً. فقد أخذت هذه القصة تظهر في السينما منذ عام 1922. وفي عام 2009 وحده ظهر 217 فيلماً عن دراكولا، فاحتل هذا البطل المركز الثاني بعد البطل الشهير شرلوك هولمز (223 فيلماً أي بفارق ستة فقط). ولم يكن مؤلفها برام ستوكر رجلاً عادياً- كصديقه أرثر كونان دويل- بل كان رجلاً صاحب إرادة قوية حقاً. فمنذ الولادة ظهر أقرب إلى الطفل المعاق، فلم يمش منتصباً حتى بلغ السابعة من عمره. كان سقيماً تنبو عن مرآه الأنظار. بيد أنه وعى وضعه فحقق ما يشبه المعجزة، فتعلم أحسن تعليم، وتدرب بدنياً على أفضل تدريب، فصار صاحب جسد سليم متكامل متناسق، حتى أن زوجته- التي كانت فائقة الجمال، تهافت عليها الخاطبون- فضلت أن تقترن ببرام ورفضت أوسكار وايلد المتقدم لخطوبتها، والذي صار فيما بعد صديقاً لستوكر. وكان مثال الرجل المكافح المتقن لعمله، فلم يعرف عنه سوى السمعة الطيبة. أما في الرياضة فقد صار بطلاً مشهوراً، من ألمع نجوم كرة القدم، وأحرز تقدماً في اللياقة البدنية، وتمتع بصحة وافرة مدى العمر الذي قضاه على هذا الكوكب.

عرضنا شيئاً من حياته الخاصة لنقنع القارئ أن الرجل بطل حقيقي، ومحب للخير، فلم يخطئ بحق أحد، ولم يؤذ أحداً، بل كان قدوة في العمل والإخلاص... ومع ذلك التهمه دراكولا. وقد وجدت، بموجب اهتمامي، أن القسم الأعظم ممن يعرفون الكونت دراكولا جيداً، لا يعرفون شيئاً عن سيده وصاحب الفضل عليه برام ستوكر، مؤلف الرواية... فالمكتوب التهم الكاتب، والوهمي افترس الواقعي، والمطبوع على الشر أودى بالمطبوع على الخير، وصاحب الإرادة الخبيثة محا صاحب الإرادة الطيبة. وقد لاقى صديقه السير أرثر كانون دويل المصير ذاته، فقد كان بطلاً هو الآخر، ونال مرتبة «السير» لأعماله العلمية والإنسانية، وهو طبيب ماهر، له مكتشفات وطرائق معالجة عدة. خلق شخصية سماها «شرلوك هولمز» فالتهمه على الفور. لم يمهله طويلاً، فصار الناس يعرفون تفاصيل أعمال هيتشكوك ولكنهم لا يعرفون شيئاً عن هذا الطبيب النبيل، الذي اعترف لستوكر أن روايته «دراكولا» أعظم رواية قرأها في حياته.

الثيمة الجوهرية لدراكولا

تصنف رواية «دراكولا» ضمن نوع يطلق عليه «الرواية الغوطية» التي تقوم على الرعب والإثارة. فهي في رفّ يشمل آلاف القصص الغوطية، يصعب إحصاؤها بالدقة المتوخاة. سوى أن رواية دراكولا لها وضع خاص، فهي تقف إلى جانب الروايات التي تعالج موضوعاً اجتماعياً عميقاً، أمثال «فرنكنشتاين: برميثيوس العصر الحديث» لماري شيللي و»انهيار منزل آل أشر» لإدغار آل نبو، و»مرتفعات ويذرنغ» لإميلي برونتي. أما الروايات الغوطية الأخرى فليس لها حظ من الشهرة، ولا حتى أفلام هيتشكوك. إن كل تلك الروايات والأفلام تدهش وتجذب ولكنها لا تثبت في الذهن مثل دراكولا وما شابه دراكولا.

الثيمة الجوهرية لدراكولا هي التي طرحها إدغار آلن بو وماري شيللي، وهي أن هناك طبقة شعرت أن التطورات الجارية ليست في صالحها، وأنها في طريقها إلى التلاشي، فآل أشر منطوون على أنفسهم في منزل من أعظم المنازل- كان- ولكنه آيل للانهيار، وأركانه آيلة إلى السقوط، فهي هنا متفسخة وهنا مضعضعة وهنا شقوق تأوي إليها خفافيش الليل... وهو منزل منفرد في واد تحيطه الغابات والأدغال الموحشة. وفرنكنشتاين يمثل العلم البروميثي وكيف سيقضي حتى على أصحابه من الطبقات الرفيعة الذين ظنوا أنهم يستقوون به، فانقلب السحر على الساحر. وما «مرتفعات ويذيرنغ»؟ إنها بكل بساطة أسرة رفيعة المقام يتحكم فيها ويذلها «ويثكليف» الخادم الوضيع، وصاحب النفس الحاقدة. وعندما يفلح خادم وضيع في تدمير أسرة محترمة، فإن هذا يدل أن هناك ظروفاً قاهرة تجري في الحياة المحيطة.

هذه هي الروايات التي فرضت نفسها، وكلها تعالج موضوع الأرستقراطية في مواجهة الظروف الجديدة، التي تجري بهدوء وصمت مثل أفعى الليل، لا يسمع لها حسيس ولا فحيح، إلا عندما تقترب كثيراً وتصبح خطيرة جداً، وهذا ما قصده هيغل عندما قال «بومة منيرفا لا تطير إلا عندما يحل الظلام» فكل فرد يقرر أعماله بوعي، ولكن مجموع أعمال البشر تخط لنفسها طريقاً خاصاً وتفرض نفسها. ... المزيد

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

ما رأيك في استغلال المنابر الدينية في الشأن السياسي؟

مقبول
مرفوض
لا أعرف