• الجمعة 10 ربيع الأول 1438هـ - 09 ديسمبر 2016م

كتب لـ ... النسيان!

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 19 فبراير 2015

عبد السلام بنعبد العالي

خلال الأسبوع الأخير من السنة التي ودّعناها، قدمت القناة الخامسة الفرنسية برنامجاً أدبياً عبارة عن مسابقة بين عشرين رواية من مختلف الاتجاهات والبلدان والأحقاب، كان على المشاهدين أن يصوّتوا لمصلحة من يفضلونه بينها، وقد كانت نتائج التصويت حافلة بالدلالات المثيرة للانتباه، كغياب بعض الروايات الأساسية، وأفول أسماء مؤلفين كبار، واحتلال الروايات المنشورة مؤخراً مراتب متدنية، وحيازة السبق لروايات لا قيمة لها إلا بالإعلام الذي من ورائها. إلا أن ما يهمنا هنا هما الروايتان اللتان حازتا المرتبتين الأولى والثانية، وهما بالتتابع: «الأمير الصغير» لسانت إكزوبيري، ثم رواية «الغريب» لألبير كامو.

لا شك أن المجال يضيق هنا للتوقف عند هذا التعلق الذي ما فتئنا نلحظه عند القارئ الأوروبي برواية «الغريب» وذلك منذ ظهورها بداية الأربعينيات، ولعلها ما زالت إلى اليوم تضرب أرقاماً قياسية في مبيعات كتب الجيب. فهل يعود ذلك إلى أن الأوروبي ما زال «يجد نفسه فيها»؟ هل يشكل ميرسولت، بطلها الغريب، صورة «حقيقية» عن الأوروبي وعن نفسيته وعلاقته بالوجود والحياة و»الآخر»؟

لندع هذه الأسئلة معلقة، ولنهتمّ بما يجمع الروايتين اللتين كان لهما قصب السبق، ولا شك أنه «قِِدَمهما» بالأساس، فهما معاً من منشورات أربعينيات القرن الماضي. لا يعني ذلك أن من شاركوا في التصويت يجهلون الإنتاجات التي جاءت فيما بعد، فقد أكد معظمهم، عند الاتصال المباشر بمعدّ البرنامج، أنهم على معرفة جيّدة بأحدث ما صدر، وأنهم يتابعون الإنتاج الروائي إبان ظهوره، إلا أنهم ما زالوا مشدودين إلى روايات الأربعينيات، وأنهم «يجدون أنفسهم فيها»، كما تقول العبارة الفرنسية.

الظاهر أن هذا التناسي السهل للروايات الجديدة لا يخصّ القارئ الأوروبي وحده، ويبدو أن قارئنا العربي يظل هو كذلك مشدوداً إلى ما كتبه الأسبقون. هذا ما يؤكده استطلاع قامت به الكاتبة المقتدرة نوال العلي، بعد أيام قليلة من بث ذلك البرنامج.

فقد استخلصت الخلاصة ذاتها على وجه التقريب فيما يخص السياق العربي، وهي أن «المثقفين اليوم يعيشون على كتب الستينيات، وحتى مطلع الثمانينيات. بعد ذلك، يبدو وكأن كل جديد صدر، سقط من الذاكرة، ولم يبق له أثر، وكأن العقدين الأخيرين خاليان من الكتب المؤثرة.

ولكن، هل هذا «السقوط من الذاكرة» يقتصر اليوم على الرواية وحدها؟ ألا يصدق على جميع منتوجاتنا الصناعية والثقافية؟ ألا ينعت عالمنا اليوم بأنه عالم الجوتابل ( Jetable disposable) حيث يصنع المنتوج «من أجل أن يقذف به»، وحيث لا يُستهلك المنتوج حتى يهلك. لعل هذه خاصية المنتوج الصناعي الأساسية، لكنها أيضاً خاصية المنتوج الثقافي كذلك، إنها خاصية التيمة الأدبية، واللحن الموسيقي والمقطوعة الشعرية. فمن منا يحفظ اليوم القصيدة الشعرية على غرار ما كنا نفعل حتى مع المعلقات، ومن منا يستطيع أن يردد مقاطع من تأليف بارتوك أو شونبرغ.

يبدو أن علائقنا مع كل هذه «المنتوجات» لا تتعدى لحظة تعرفنا عليها، أو لنقل إن هذه المنتوجات لا تُبدع لتبقى وتدوم، لا تُبدع كي تعمّر طويلا، فسرعان ما «يلقى بها جانباً» كي تدع مكانها لما سيعقبها.

ثقافتنا اليوم ليست ثقافة نقل وحفظ وتدوين، وإنما هي ثقافة اللحظة والرمشة، إنها ليست ثقافة الأذن والذاكرة، ليست ثقافة الصوت والرواية المتروية، وإنما ثقافة الصورة والتصوير السريع. هي إذاً استجابة لحظية لعالم لا يفتأ يتبدل. فكأن الأمر يعود في النهاية إلى التغيير الذي لحق بمفهوم الاستمرار ذاته. إذ أن الوصل اليوم والاستمرار ليس هو ثبات ما ينقل ودوامه، وإنما هو التحوّل الدائم لما ينفك يتجدد.

على هذا النحو يبدو أن المنتوج الإبداعي «لا يسقط من الذاكرة»، بل إنه أصلا لم يبدع من أجل التذكير والتذكر، لم يبدع ليعلق بالزمن، ويحفظ في الصدور، وإنما ليفعل فعله الآني، ويفتح العيون والصدور على ما سيتلو وما سيأتي.

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

ما رأيك في استغلال المنابر الدينية في الشأن السياسي؟

مقبول
مرفوض
لا أعرف