• الخميس 09 ربيع الأول 1438هـ - 08 ديسمبر 2016م

خلف حرقها يكمن «الجهل المقدس»

داعش والكتب.. عداء تاريخي

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 19 فبراير 2015

نستغرب كيف أن داعش تأخرت كل هذا الوقت قبل أن تحرق مكتبة الموصل العريقة، مهد الحضارات. ينبغي أن نلومها على ذلك. يحق لنا أن نعتب عليها. ولكن يبدو أنها كانت مشغولة بمجزرة البشر قبل مجزرة الكتب. داعش لا تستطيع أن تفعل كل شيء دفعة واحدة. داعش منهجية، ديكارتية. لقد شُغلت المسكينة داعش على مختلف الجبهات طيلة الشهور الماضية ولم تستطع التفرغ لهذا العمل الجليل إلا الآن.

قديما قالوا: «من يحرق الكتب اليوم، يحرق البشر غدا». ولكن داعش عكست الآية؛ فقد ابتدأت بحرق البشر قبل حرق الكتب. ولا ينافسها في هذا المجال الحيوي الا المرعب الشهير «توركمادا» أحد كبار زعماء محاكم التفتيش في اسبانيا. فقد حرق الكتب والبشر بالآلاف المؤلفة. ولكن كان ذلك قبل خمسمائة سنة أو أكثر. أما داعش فتحرق اليوم عام 2015. أين هو التنوير العربي؟ أين هو التنوير الإسلامي؟ ما هي الكتب التي حرقتها داعش؟ إنها كتب الأطفال، وكتب الفلسفة، ودواوين الشعر، والكتب العلمية. هذا بالإضافة إلى مجلات عربية عديدة تعود إلى أوائل القرن العشرين. لماذا حرقت كل هذه الكتب؟ لأنها «تدعو إلى معصية الله». هذا هو «الجهل المقدس» الذي تحدث عنه الباحث الفرنسي أوليفييه روا. انه أخطر جهل في التاريخ لأنه يتلفع بلباس الدين والمقدس الأعظم. والإسلام الحنيف منه براء.

لمحة تاريخية

هل هذه هي أول مرة تحرق فيها الكتب؟ بالطبع لا. هناك تاريخ طويل عريض لذلك في تاريخنا. ويمكن القول إنه ابتدأ مع عصر الانحطاط. فلا انحطاط بدون حقد على الكتب والمكتبات. ويرجع أحد أسباب انهيار الحضارة العربية الإسلامية وأفول العصر الذهبي العباسي – الفاطمي – الأندلسي إلى حرق الكتب وبالأخص كتب المعتزلة والفلاسفة، وكذلك الكتب العلمية المحضة. من المعلوم أن العرب إبان العصر الذهبي كانوا مولعين باقتناء الكتب والبحث عنها في شتى أنحاء العالم. كان خلفاؤهم وأمراؤهم وتجارهم الكبار يتنافسون على تشييد المكتبات العامرة وتجليد المؤلفات بشكل فاخر. ولكن بعد أفول الحضارة العربية الإسلامية والدخول في عصر الانحطاط خف اهتمامهم بالكتب حتى انعدم أو كاد. وأصبحوا يكتفون بالكتب الدينية التقليدية التي تجتر كلام الفقهاء الأوائل أو مؤسسي المذاهب. وضاقت عقليتهم وتقلص فضولهم العلمي فما عادوا يهتمون بأنواع المعرفة الأخرى. بل أصبحوا يشتبهون بها ويحرقونها لأنها تبعد عن الله تعالى أو تشكل معصية له - كما تقول داعش-.

ضمن هذا السياق نفهم كيف أن الخليفة العباسي الناصر لدين الله المتوفى عام 1225 ميلادية أمر بحرق مكتبة عبدالسلام بن عبدالقادر البغدادي الملقب بالركن. وكانت مليئة بالكتب العلمية والفلسفية التي «تفسد العقل» أو تشكل خطرا على تدين المؤمنين. ولكن قبله عندما فتح السلطان محمد الغزنوي مدينة الري (أي طهران الحالية) سنة 1030 فانه قام بقتل الباطنية أي الإسماعيليين ونفى المعتزلة وأحرق كتب الفلاسفة والاعتزال. ثم استخرج كتب علوم الأوائل اليونانيين وكذلك كتب علم الكلام من مكتبة الصاحب بن عباد وأمر بحرقها. وهكذا قضي على العصر البويهي الرائع الذي ازدهرت فيه العلوم والفلسفات ازدهارا قل نظيره. ومعلوم أنه كان امتدادا للعصر الذهبي، عصر هارون الرشيد والمأمون العظيم. ثم جاء المغول أو التتار لكي يدمروا نهائيا الحضارة العربية الإسلامية ويدخلوننا في ليل الانحطاط الطويل. كان ذلك كما هو معلوم عام 1258 حيث حرقوا بيت الحكمة التي أسسها الرشيد والمأمون. بل وحرقوا بالإضافة إليها 36 مكتبة أخرى عامة في بغداد. ورموا كل ذلك في مياه دجلة. ويقال بأن النهر تلون بالأزرق والأحمر طيلة عدة أيام من كثرة الأجساد والمخطوطات التي رميت فيه. لقد امتلأ بالحبر والدماء، والأمثلة كثيرة... وإذا ما انتقلنا إلى الأندلس وجدنا نفس الظاهرة تتكرر. فالعصر الذهبي تلاه عصر الانغلاق والانحطاط. فالخليفة الأموي العظيم عبدالرحمن الثالث الملقب بالناصر كان مولعا بالكتب ولعا شديدا، وكذلك ابنه الحكم الثاني. وقد شيدا في قرطبة أعظم مكتبة في أوروبا آنذاك. وكانت تضم ما لا يقل عن أربعمائة ألف كتاب. ولكن هي الأخرى أيضا تعرضت للحرق والدمار لاحقا. ولا ينبغي أن ننسى حرق المكتبة الشخصية لابن رشد أكبر فيلسوف عربي في ذلك الزمان.

أخيرا لنترك العصور القديمة ولنقفز قفزة هائلة إلى الأمام وصولا إلى اللحظة الراهنة. ماذا حصل في مدينة طرابلس اللبنانية؟ نفس الشيء. نكاد نقول: ما أشبه الليلة بالبارحة! فقد هجم السلفيون المتشددون على مكتبة «السائح» الشهيرة التي كانت تضم أكثر من ثمانين ألف كتاب وأشعلوا فيها النيران. ولحسن الحظ فان صاحبها الأب ابراهيم سروج لم يكن فيها والا لاحترق هو الآخر أيضا. وماذا كان رد فعل هذا الكاهن المسيحي الطيب والمحترم؟ لقد قال: «أسامح الذين حرقوا المكتبة وأصلي لله كي يحمي طرابلس». ... المزيد

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

ما رأيك في استغلال المنابر الدينية في الشأن السياسي؟

مقبول
مرفوض
لا أعرف