• السبت 04 ربيع الأول 1438هـ - 03 ديسمبر 2016م

داعش في اليابان.. والأرخبيل لم يعد هادئاً

يدُ الإرهاب.. الطويلة

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 19 فبراير 2015

د. بسام طيارة

قبل أربع سنوات نظر اليابانيون إلى «الربيع العربي» بأمل ولكن بحذر، في الواقع من دون اهتمام زائد. وحتى فترة قصيرة يمكن قياسها بأسابيع، ورغم العولمة واختصار المسافات بين القارات، ظل العالم العربي والإسلامي بعيداً عن الاهتمام اللاشعوري للمواطنين اليابانيين. ولكن عندما دفعت أقنية التلفزيونات بفيديو الرهينتين اليابانيين إلى منازلهم اكتشف اليابانيون انهم ورغماً عنهم ورغم المسافات وتقوقعهم في الأرخبيل فهم عرضة لعولمة الإرهاب. عرف اليابانيون سابقاً عمليتي أخذ رهائن لمواطنيهم تمتا في المنطقة العربية، الأولى في عراق صدام حسين عام 1990 والثانية في 2004 بعد سقوطه واحتلال الأميركان للعراق. في الأولى استعمل صدام مجموعة من اليابانيين (وغيرهم من المواطنين الغربيين) كدروع بشرية. أما الثانية فجرت على أيدي مجموعات ادعت مقاومة الاحتلال. وفي الحالتين انتهت الأمور على سلام فتم الإفراج عن رهائن صدام مقابل صورة تذكارية، بينما تم الإفراج عن الرهينتين اليابانيين مقابل دفع فدية ما زالت قيمتها سرية. عولمة الإرهاب هذه المرة اقتحمت الصور الحية للرهينتين في اللباس البرتقالي ومقاطع الفيديو الرهيبة مهاجع اليابان، وأنزلت سكان الأرخبيل من أرجوحة راحة مجتمعات ما بعد الحداثة لترميهم في أتون عولمة الإرهاب، ولتخرجهم من هدهدة الانعزالية إلى ضوضاء القلق والخوف. فقبل منتصف أكتوبر كانت أحداث الشرق الأوسط غائبة عن الأرخبيل. تلفزيونات العالم كانت مشغولة بـ «الدولة الإسلامية» والحرب التي أطلقها باراك حسين أوباما على هذا التنظيم، مع ذلك ظل الأرخبيل الياباني يتجاهل هذه «الظاهرة». لكن الأمور تغيرت بين ليلة وضحاها كما يقال. يمكن المراهنة على أن قسماً كبيراً من اليابانيين لم يكن يدرك أن حكومة «شينزو آبي» (الذي كان يزور المنطقة) قد تبرع بمثل هذا المبلغ. فالمواطن الياباني وطبيعة متابعته السياسية لأفعال حكوماته يظل بعيداً جداً عن كل ما يتعلق بالشؤون الخارجية إلا عندما يكون أمن اليابان وسلامة الشعب على المحك، مثل خطر نووي كوريا الشمالية أو التطورات في الصين أو حضور القوات الأميركية في الأرخبيل إلخ&hellip، ولكن بخلاف ذلك فالياباني متقوقع على شؤونه الداخلية والاقتصادية والاجتماعية ورفاهية حياته اليومية. وها هو الإرهاب الشرق الأوسطي يدفع باليابانيين دفعاً نحو النظر إلى ما تفعله حكومتهم في بلاد بعيدة عن اهتماماته اليومية. وها هو تنظيم داعش يتغلغل في تلابيب السياسة الداخلية لبلاد الشمس الساطعة. جريمة قتل الرهينتين جعلت اليابان تنتقل إلى داخل حلقة بقية دول العالم وخصوصاً الدول الغربية التي يضعه ضمنها إرهابيو داعش. إذ إن انعكاسات هذه الجريمة جاءت على عدة مستويات: الدبلوماسية والعسكرية والسياسة الداخلية، وأحدثت شقاً داخل شرائح المجتمع الياباني بكافة مكوناته. دبلوماسيتنا ضعيفة! أولاً: على المستوى الدبلوماسي كان الربط بين الإفراج عن الصحفي الياباني مقابل الإفراج عن ساجدة الريشاوي السجينة بتهمة الإرهاب لدى الأردن فخ وقعت به الدبلوماسية اليابانية وبنت عليه آمالاً كبيرة. إلا أن المملكة الهاشمية كان لديها الطيار معاذ الكساسبة أسيراً لدى داعش، وهي لم تستطع تقديم أي مساعدة في هذا المجال ما عدا التصريحات الشفهية للتنديد بعمليات خطف الرهائن. وسلط هذا الأضواء على أن اليابان تقدم مساعدات مالية لدول لا تستطيع الاعتماد عليها في حال الضرورة فهي قدمت مساعدات مالية للأردن كان آخرها لتحمّل أعباء اللاجئين السوريين. وهنا كان المأزق الدبلوماسي والأدبي أيضاً. فقد اكتفت الدبلوماسية اليابانية بالطلب من الأردن «مساعدتها» دون توضيح كيفية المساعدة في حين أن عمان كانت قد أعلنت استعدادها لمبادلة الريشاوي مقابل الإفراج عن الكساسبة. لقد انتقدت الصحافة اليابانية كثيراً موقف دبلوماسييها في هذا الشق. صحيفة «أساهي شينبون» أشارت إلى أن حكومة شينزوآبي اكتفت بـ «تسليم أمرها الى الأردن». وقد سارعت كافة الوسائل الإعلامية لإرسال مراسلين صحفيين إلى الأردن لتغطية ردات الفعل في الشارع ولدى الجمهور الأردني. وقبل الإعلان عن قتل الرهينة اليابانية الثانية وإعدام الطيار الأردني، نقلت القنوات اليابانية صورة تضامن فعلي لدى الأوساط الشعبية الأردنية تجاه ما حصل للرهينة الياباني الأول، وتمنيات بالإفراج عن الصحفي كينجي غوتو. ولكن التقارير شددت على أن هذا التضامن كانت تشوبه مسحات من القلق ومن التردد بين انقاذ الطيار الأردني أو الصحفي الياباني. وبالمقابل فإن الريبورتاجات و«الميكروتروتوار» التي قامت وسائل الإعلام الياباني بها في اليابان نقلت صورة قلق من عدم استجابة السلطات الأردنية وصولاً للإفراج عن الصحفي رغم اعتراف العديدون بأن «على الأردن إنقاذ طياره». كما أن العديد من المراقبين تساءلوا عن سبب عدم لجوء اليابان لتركيا التي سبق لها وأنقذت عددا من الرهائن من براثن الجماعات الإرهابية. وعدّ هؤلاء هذا نوعاً من التقصير الدبلوماسي ولم يتردد بعض المواطنين اليابانيين من التصريح بأن «دبلوماسيتنا ضعيفة». جرح اليابان «العسكري» ثانياً: فتحت مأساة الرهينتين ملف «الدور العسكري» الذي يمكن لليابان أن تلعبه في العالم. فمن المعروف أن المادة التاسعة من الدستور الياباني تحظر استخدام الوسائل العسكرية خارج الأراضي اليابانية. ومنذ وصول شينزو آبي إلى الحكم وهو يحاول «تليين» هذه المادة. صحف اليمين وفي مقدمتها صحيفة «سانكي» طالبت الحكومة بـ «تحمل مسؤولياتها في مكافحة الإرهاب الى جانب الأسرة الدولية». وذهبت «أوري شينبون» أبعد من ذلك فطالبت بضرورة العمل على إيجاد «قدرة على التدخل المسلح لاغاثة مواطنين يابانيين». ويظهر هنا خط يفصل بين توجهين لدى الأطياف السياسية اليابانية فصحيفة «أساهي شينبون» انتقدت بالمقابل تقديم مساعدات مالية للتحالف وهو ما جعل اليابان، حسب قولها، هدفاً للإرهابيين، وهي بذلك نقلت وجهة ما يمكن تسميته بالـ «يسار المعولم» الذي يتمسك بسياسة سلمية لليابان. أما «اليمين القومي» فيطالب بعدم الاكتفاء بالدعم المالي بل بالمشاركة بضربات التحالف والانضمام عسكريا لمحاربة داعش في سوريا والعراق. والمعروف أن اليمين القومي الياباني يطالب منذ سنوات بالتخلص من المادة التاسعة وصولاً لرفع القدرات العسكرية للتصدي لتطلعات الصين ذات القوة المتعاظمة والوقوف في وجه كوريا الشمالية. ويبدو أن رئيس الحكومة شينزو آبي يسعى لتوازن بين الاتجاهين بحيث يحصل على تعديل بسيط للدستور يسمح لليابان بأن بـ «تكون قادرة على شن عمليات لانقاذ مواطنيها باستخدام قواتها المسلحة»، حسب ما صرح به أمام لجنة برلمانية في الاسبوع الذي تلا هذه المأساة. شعبية الرئيس.. زادت ثالثاً: على صعيد السياسة الداخلية يعترف المراقبون بأن رئيس الحكومة تجاوز هذه الأزمة بأقل الأضرار الممكنة، لا بل على العكس فإن تصرفه كان محل تقدير من مواطنيه. إذ إن شعبيته التي كانت في الحضيض رغم أنه كسب الانتخابات الأخيرة منذ أقل من ثلاثة أشهر، عادت لترتفع بعد هذه المأساة الوطنية وقد قدر الرأي العام الياباني، رغم الانتقادات، طريقة معالجة آبي للشق الإنساني من هذه المأساة، وهو استطاع أن يوقد الشعور الوطني المكتوم منذ نهاية الحرب الكبرى. وأفضل مثال على ذلك هو أنه استطاع بعد عشرة أيام من إعدام الرهينة الثاني تمرير قانون إصلاح القطاع الزراعي الذي عجزت كل الحكومات المتعاقبة منذ خمسة عقود عن تمريره. ولكن لا بد لهذه المأساة أن تترك أثراً في حياة اليابانيين وأن تشكل منعطفاً في تعامل اليابان مع الشوون الخارجية خصوصاً العربية والإسلامية. من هو ناكاتا كو؟ درس ناكاتا كو اللغة العربية وتخصص في الفقه الإسلامي. تدرج في عدة وظائف بوزارة الخارجية قبل أن ينتقل للعمل في السفارة اليابانية في الرياض سنة 1996م، ثم عاد ليتبوأ منصب استاذ مساعد في جامعة «ياماغوتشي»، ثم بروفسور في جامعة «دوشيشا» في كلية الدراسات الدينية، وفي 2011 اختفى ليظهر بعدها على أنه «داعية للإسلام» . لوحق من قبل الشرطة اليابانية بموجب قوانين محاربة الإرهاب. إلا أنه عاد في مطلع هذا العام إلى اليابان وسلم نفسه للشرطة، فترك بسند إقامة رهن التحقيق بعد سحب جواز سفره. ألّف ماكاتا كو العديد من الكتب أشهرها: «منطق بن لادن»، و «منطق الإسلام» وهو من الكتب الأكثر مبيعاً في الأيام الأخيرة. وله كتاب «تفسير معاني القرآن».

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

ما رأيك في استغلال المنابر الدينية في الشأن السياسي؟

مقبول
مرفوض
لا أعرف