• الجمعة 08 شوال 1439هـ - 22 يونيو 2018م

انتخابات إيطاليا.. وماذا بعد؟

حجم الخط |


تاريخ النشر: الجمعة 09 مارس 2018

فرناندو جيوجليانو*

يمكننا ببساطة التركيز على الأرقام عند النظر إلى نتائج الانتخابات العامة الإيطالية، والتي أجريت يوم الأحد الماضي. ومن هذا المنظور، لم تختلف النتيجة كثيراً عما كان متوقعاً منذ شهور وأسابيع. فلم يستطع تحالف أحزاب يمين الوسط ولا تحالف يسار الوسط ولا «حركة 5 نجوم» المناهضة للمؤسسة الرسمية، الفوز بأغلبية مقاعد البرلمان، مما سيحتاج إلى جهد كبير للغاية لتشكيل حكومة ائتلافية، لاسيما إذا أُريد لهذه الحكومة أن تكون مستقرة وفاعلة.

والمستقبل يحمل في طياته فترة من عدم الاستقرار، رغم أنه بوسع المرء القول بأن هذا هو الحال الطبيعي في إيطاليا دائماً. لكن الأرقام لا توضح ببساطة قصة نتائج انتخابات يوم الأحد الماضي. فقد مثلت النتائج انتصاراً لمناهضي المؤسسة الحاكمة يضاهي الانتصار الذي حققه الاستفتاء على خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي أو فوز دونالد ترامب في الانتخابات الرئاسية الأميركية. ففي إيطاليا تسير قوتان شعبيوتان في الطريق إلى حصد نحو نصف الأصوات. و«حركة 5 نجوم» تسير فيما يبدو لأن تصبح أكبر حزب في إيطاليا، حيث أشارت استطلاعات رأي إلى أنها تتمتع بنسبة تأييد تزيد على 30 في المئة. وفي داخل كتلة يمين الوسط يتقدم حزب «رابطة الشمال» على حزب «إيطاليا إلى الأمام» الذي يتزعمه سيليفيو بيرلسكوني.

وحزبا «حركة 5 نجوم» و«رابطة الشمال» كيانان مختلفان، لكنهما يشتركان في سمات كثيرة. فهما يشتركان في انتقاد الارتباط بمنطقة اليورو، وفي التشكك في تعامل إيطاليا مع ملف الهجرة الذي تمثل في إنقاذ اللاجئين القادمين عبر البحر الأبيض المتوسط. والجدل المحتدم في روما حالياً يتعلق بمدى قدرة الحزبين على تكوين فريق وتشكيل تحالف لا يروقه الاتحاد الأوروبي. وهذه الشراكة تستطيع على الأرجح أن تشكل حكومة، بل يبدو من الصعب استمرارها. وكانت «رابطة الشمال» تشكل في السابق ائتلافاً حاكماً مع يمين الوسط، وهو الائتلاف الذي أصبح الآن في موقع الصدارة. وباعتباره أكبر الأحزاب، يمكنه أن يختار المرشح المفضل لديه في منصب رئيس الوزراء. وقاعدة التأييد لـ«حركة 5 نجوم» مؤلفة في جانب كبير منها من أنصار الجناح اليساري ممن سيعارضون تحالفاً مع حزب «رابطة الشمال». وأعلن «ماتيو سالفيني»، زعيم رابطة الشمال، في أول تعليق له بعد الانتخابات، أنه يعارض تشكيل فريق مع «حركة 5 نجوم».

لكن كل هذا ليس مهماً على نحو ما، بل النقطة الأهم هي أن أغلبية الناخبين اختاروا أن يديروا ظهورهم للطريق الذي سلكته إيطاليا منذ بروز أزمة ديونها السيادية. فقد اشتركت الحكومة التكنوقراطية التي تزعمها ماريو مونتي والإدارات الثلاث التي تشكلت حول «الحزب الديمقراطي»، في سمة واحدة، وهي أنهم سعوا جميعاً إلى تحديث اقتصاد إيطاليا ورفع سن التقاعد وإقرار إصلاحات في سوق العمل والتزموا إلى حد كبير بقواعد منطقة اليورو. وحين سعوا للحصول على استثناءات في الشؤون المالية والمصرفية فقد فعلوا هذا عن طريق المؤسسات الأوروبية. ولا تريد «حركة 5 نجوم» ولا «رابطة الشمال» سماع أي من هذا. وبرنامجهما يتضمن عطايا سخية، مثل دخل أساسي للجميع أو ضريبة ثابتة أو خفض سن التعاقد ولا تستطيع إيطاليا تحمل أي من هذه المقترحات دون خفض كبير في الإنفاق. وبعبارة أخرى، يريد الحزبان تحدي القواعد المالية الأوروبية، زاعمين أن إيطاليا تحتاج إلى تحفيز الآن. وهناك البعض، وخاصة في «رابطة الشمال»، مستعدون لأن يغادروا اليورو للفوز بحق إنفاق المزيد. وهذا يمثل إشكالية أساسية لباقي منطقة اليورو.

وكان الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ينتظر تشكيل إدارة جديدة في برلين، وهو ما تحقق يوم الأحد الماضي، ليرى مدى قبول أفكاره بشأن توزيع أكبر للمخاطر بين الدول الأعضاء في منطقة اليورو، مقابل تحكم أشد صرامة في التمويل العام. لكن المشاعر الشعبية التي أنتجتها انتخابات إيطاليا تمثل تحدياً لهذا الطرح. واستجابةُ ألمانيا وفرنسا قد تتمثل في وقف عملية تعزيز التكامل لأنها لن تلقى قبولاً حسناً في إيطاليا على الأرجح. أو يعاملان إيطاليا باعتبارها طفلاً مشاغباً ويمضيان قدماً في طريق التوصل إلى حلهما المفضل ثم يطالبان رئيس الوزراء الجديد في روما، بصرف النظر عن هويته، أن يوقع على أي شيء اتفقا عليه.

وسيمثل هذا اختباراً حقيقياً للأحزاب المناهضة للمؤسسة والمنتشية الآن بالفوز. وقد اجتذبت هذه الأحزاب الناخبين حتى الآن بفكرة أن هناك مستقبلاً يحصل فيه المواطن على المال دون مقابل. لكن الواقع أشد قسوة بكثير من هذا التصور. فقد لا تروقهم القواعد الأوروبية، لكن يتعين عليهم الآن العمل وفقاً لها. أما فيما يتعلق بمغادرة اليورو، فإن قول هذا أسهل من تنفيذه. فما عبر عنه الناخبون الإيطاليون مرتبك وليس الرسالة التي أراد شركاء إيطاليا في منطقة اليورو سماعها.

*صحفي مختص في الشؤون الأوروبية

ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست وبلومبيرج نيوز سيرفس»

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا