• الاثنين 06 ربيع الأول 1438هـ - 05 ديسمبر 2016م

اليابانيون فريقان: الأول مع الرهينتين والثاني ضدهما

داعش في اليابان.. خطأ بالتوقيت!

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 19 فبراير 2015

ميسرة عفيفي

وضع الدستور الدائم لليابان تحت الاحتلال، ويعتبر أشهر دستور في دول العالم حالياً، حيث ينص بوضوح في المادة التاسعة منه على تخلي اليابان عن حقها في استخدام القوة المسلحة لحل أي نزاع دولي، وبالتالي تخليها عن ملكية أية قوات عسكرية. وعليه أنهت وجود جيشها بالكامل (بعد ذلك تم استحداث تفسير للدستور أنه لا يمنع وجود قوات دفاعية تحمي بها اليابان نفسها من خطر الغزو الخارجي، ولا يكون لها قدرات هجومية، ليتم إنشاء قوات الدفاع الذاتي اليابانية الحالية عام 1954). ومنذ نهاية الحرب وحتى الآن على مدى سبعين عاماً لم يطلق جندي ياباني ولو طلقة رصاص واحدة في أي حرب أو نزاع. وبسبب ذلك عاش اليابانيون في وهم السلم العالمي وعالم بلا حروب ولا جيوش حتى هذه اللحظة.  ولكن في العشرين من يناير الماضي فوجئ اليابانيون بشريط فيديو صادر عن داعش، يظهر فيه شخص ملثم يحمل سكيناً وبجواره رهينتين يابانيتين يهدد بذبحهما إذا لم تقم حكومة اليابان بدفع مائتي مليون دولار أميركي فدية لإطلاق سراحهما، وذلك رداً على إعلان رئيس الوزراء الياباني عن دعم قدره مائتا مليون دولار لدول الشرق الأوسط التي تحارب داعش.  الحقيقة أنه حتى تاريخ نشر هذا الفيديو لم يكن أغلب اليابانيون معنيون بما يجري في الشرق الأوسط إلا كما نعتني نحن بصراع الدب الأبيض مع أقرانه على النفوذ في القطب الشمالي قريباً من سيبيريا. ولم يكن أغلب اليابانيون يعلمون بالزيارة التاريخية، التي قام بها رئيس وزرائهم للشرق الأوسط وإعلانه عن دعم مالي ومادي لمحاربة داعش. وصُدم اليابانيون بعد قتل الرهينتين بالفعل من وجود من يقتل رهينة سلمية لم تحاربه بهذه البشاعة في سبيل هدف سياسي ليس للضحية فيه ناقة ولا جمل.  رأيان بعد ظهور شريط الفيديو الأول وحتى الإعلان عن قتل الرهينة الثانية (كينجي جوتو) ثم إذاعة فيديو حرق الطيار الأردني معاذ الكساسبة انقسمت الآراء حول موقف حكومة اليابان (غني عن القول إنه منذ ظهور الفيديو الأول ومشهد الرهينتين مقيدين فاض طوفان في وسائل اليابانية من الأخبار والتحليلات والتقارير عن الموضوع)، وكان الانقسام يعكس موقفاً سياسياً داخلياً.. بعض الأصوات، وهي قليلة، تستند في موقفها المنتقد للحكومة على معرفة جيدة بما هي عليه الحال على أرض الواقع في الشرق الأوسط. كان انتقادهم لحكومة اليابان قوياً بسبب (توقيت) الإعلان عن الدعم المالي للدول التي تحارب داعش، فيما هي تعلم بوجود رهائن يابانيين لدى داعش منذ فترة طويلة، ويقال إن داعش اتصلت بأهل الرهينتين منذ نوفمبر الماضي تطلب دفع فدية من أجل الإفراج عنهما. أما الطرف الآخر فهم الذين يؤيدون الحكومة وهم من الوسط واليمين وأقصى اليمين، وهم يلقون باللوم على الرهينة نفسها، الذي ذهب إلى أرض تقع فيها حرب أهلية وبدون أي سبب، خاصة الرهينة الأولى (هارونا يوكاوا). وصدروا القول المشهور عن مسؤولية كل شخص عن أفعاله وعدم مسؤولية الحكومة عن شخص تصرف بمحض إرادته وبالتعارض مع ما تصدره الحكومة اليابانية من تحذيرات ومنع من السفر إلى سوريا والعراق إلا من هو مضطر لذلك وفي أضيق الحدود. وفي الأيام الأخيرة قامت الحكومة بسحب جواز السفر من أحد الإعلاميين، الذي كان مصرا على السفر إلى سوريا لمتابعة الأحداث، بسبب تهديد داعش بخطف المزيد من الرهائن اليابانيين وتحويل حياة اليابان إلى جحيم على حد قولهم. على الضفة الأخرى، كان هناك خوف من تعرض العرب والمسلمين في اليابان إلى مضايقات وإزعاج أو لا قدر الله لأكثر من ذلك، لكن الأمر لم يتعد بعض التحرش اللفظي البسيط وفي أضيق الحدود، مثلما حدث مع مصارع رياضة السومو المصري أوسونا أراشي «الذي قال له أحد مشجعي منافسه أثناء المباراة بصوت عالٍ: «يا داعشي». والسبب أن الشريحة التي يمكن أن تصدر عنها المضايقات والإزعاج هي التي تبنت رأي الحكومة وإلقاء اللوم على الرهينة وعدم إحساسها بالمسؤولية. مثقفو اليابان و.. داعش في التاسع من فبراير الحالي أقام عدد من المثقفين مؤتمرا صحفياً أعلنوا فيه بياناً وقّع عليه نحو ألف ومئتي مثقف وحوالي ألف وخمسمائة مواطن عادي يعبر عن قلقهم إزاء تعامل وسائل الإعلام خلال الأزمة وبعد انتهائها والتقليل من نقد أفعال الحكومة اليابانية بحجة أن ذلك يصب في مصلحة الإرهاب. وقالوا في بيانهم إنه يجب على الإعلام والمثقفين قول ما يجب عليهم قوله، وانتقاد الحكومة عندما تحيد عن الطريق القويم. وعبروا عن خوفهم من أن ذلك يشبه ما حدث قبل الحرب العالمية الثانية وجعل الحكومة اليابانية تتشدد أكثر وأكثر وتقود البلاد إلى كارثة دمرت اليابان تماما. وكتب الأديب الياباني (كيئتشيرو هيرانو) وهو أحد الموقعين على البيان في حسابه على (تويتر) رفضه لمن يلقون بالمسؤولية على الضحية بحجة أنه ذهب بنفسه وهو عالم بالخطر، قائلًا: «لو تميّز أحد في مسابقة عالمية يفرح الجميع ويفخر به لأنه ياباني مثله، ولكن إذا قُبض عليه في منطقة نزاع، هل نتحول فجأة ببرود ونلقي باللائمة عليه قائلين: إنها مسؤولية ذاتية؟». أما الروائي الشهير (ماساهيكو شيمادا) فتساءل مندهشاً: «أتقولون إن انتقاد الحكومة يعني تأييد الإرهابيين؟! منذ متى تحولت اليابان إلى دولة كالصين؟!». نيبون اليابان، وتسمى أيضاً نيبون الذي يعني مصدر الشمس أو مَشرق الشمس، تقع في شرق آسيا، بين المحيط الهادئ وبحر اليابان، وشرق شبه الجزيرة الكورية. أطلق الصينيون على البلاد اسم أرض مشرق (منبع) الشمس، لوقوعها في أقصى شرقي العالم المأهول آنذاك. تبلغ مساحة اليابان 378,000 كيلومتر مربع، وتصل المسافة بين أقصاها في الشمال والجنوب إلى 3000 كيلومتر. وهي تتكون من ثلاثة آلاف جزيرة، ومن 47 محافظة، يمكن تقسيمها على أساس الخلفية الجغرافية والتاريخية إلى ثماني مناطق، لكل منها لهجتها الخاصة وعاداتها وتراثها التقليدي. وبعد اعتماد الدستور في عام 1947 تحول نظام الحكم في اليابان إلى نظام ملكي دستوري، يضم إمبراطوراً وبرلماناً منتخباً.واليابان واحدة من أكثر الدول تقدمًا في العالم، ويعد التصنيع إحدى ركائز القوة الاقتصادية اليابانية، وهي تتفوق عالمياً في علم وتقنية استخدام الإنسان الآلي، أحد أهم المجالات الواعدة للنمو الاقتصادي المستقبلي. شيفرة.. بالعين انتشرت في وسائل الإعلام اليابانية قصة مفادها أن الرهينة الثاني الصحفي الحر (كينجي غوتو)، قام أثناء الفيديو الأول الذي ظهر فيه بجانب الملثم وزميله الرهينة الأول (هارونا يوكاوا) بإرسال رسالة من خلال حركة جفون العينين، بوساطة شفرة مورس التي كانت تستخدم قديماً في إرسال اللاسلكي، تقول: «لا تنقذوني! اتركوني لمصيري!». وأول من أذاع ذلك في الثاني من فبراير الحالي موقع إلكتروني تايواني اسمه (ETtoday). ولكن الخبراء نفوا ذلك تماماً وقالوا إن الإنسان عندما يكون في موقف توتر تكثر حركة الجفون، وأن من الصعب إرسال مثل هذه الرسالة الطويلة بحركة الجفون فقط. ناكاتا اتُهم بأنه داعشي فـتبين انه «تحريري» برز في تلك الأثناء ياباني مسلم كان يعمل كأستاذ للدراسات الإسلامية في جامعة دوشيشا اليابانية، وهو د. حسن كو ناكاتا الذي وُلد عام 1960 بمحافظة أوكاياما اليابانية لأبوين يابانيين، ويذكر أن والده كان راهباً لديانة الشينتو اليابانية. تم اتهام د. ناكاتا كثيراً في وسائل الإعلام اليابانية بأنه «داعشي» ياباني على خلفية اكتشاف محاولة عدد من طلاب جامعة هوكايدو الذهاب إلى سوريا للقتال في صفوف «الدولة الإسلامية» وتوسط د. ناكاتا بين الطلاب وبين داعش. طلبت الشرطة من د. حسن ناكاتا المجيء إليها بشكل تطوعي لسماع أقواله في تلك القضية، واتضح أن الموضوع برمته عبارة عن «بروباغندا» إعلامية غلب عليها التهويل والمبالغة، وظهر على السطح أكثر وأكثر مدى محدودية علم ومعرفة اليابانيين بشكل عام بقضايا وأخبار المنطقة العربية والشرق الأوسط. د. حسن ناكاتا استغل هذه الفرصة الذهبية المتمثلة في تكالب وسائل الإعلام اليابانية عليه، في بث أفكاره وآرائه التي شكلت صدمة في وعي اليابانيين، الذين دهشوا أن يوجد بينهم من يحمل مثل هذه الأفكار التي أقل ما يرون فيها أنها لا تنتمي للعصر الذي يعيشونه.  أنكر د. ناكاتا تماماً كونه داعشياً بل وأعلن أنه ضد أفكار كل من داعش والقاعدة بل وأيضاً ضد أفكار جماعة الإخوان المسلمين، وأنه يعتقد في أفكار حزب التحرير الإسلامي. ينشط د. ناكاتا في وسائل التواصل الاجتماعي مثل (تويتر) و(فيس بوك) حيث يتابعه عشرات الآلاف في نشر آرائه وأفكاره عن الإسلام بطريقة جذابة لا تخلو من مزج الجد بالفكاهة. وأثناء أزمة الرهائن تلك بدأ د. ناكاتا يظهر كثيراً في وسائل الإعلام معلناً عن استعداده للوساطة بين الحكومة اليابانية وداعش، قائلاً إن لديه قناة اتصال بهم. وقال إنه يمكن إنقاذ حياة الرهينتين لو أعلنت اليابان إن المائتي مليون دولار سيتم صرفها لمساعدة اللاجئين والمواطنين المتضررين من القتال داخل سوريا والعراق، وداخل الأراضي التي تسيطر عليها داعش تحت إشراف دول محايدة مثل تركيا وقطر. ولكن بعد انتهاء الأزمة بأسوأ خاتمة يمكن توقعها ظهر د. ناكاتا معلناً أن الحكومة اليابانية لم تأخذ نصيحته بعين الاعتبار ولم تحاول الاتصال به مطلقاً.

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

ما رأيك في استغلال المنابر الدينية في الشأن السياسي؟

مقبول
مرفوض
لا أعرف