• الجمعة 10 ربيع الأول 1438هـ - 09 ديسمبر 2016م

بروفايل

شارل بودلير: بستانيُّالشرّ

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 19 فبراير 2015

إسماعيل غزالي

صاخبٌ في قسوة جماله هو وجهُ شارل بودلير. قسوةٌ تنْضح شررا وحدّة. كأنّ الرجل حانق على وجوده. يُدينُ بصرامةٍ خشنة لحظة كينونته الهشّة. عبرها يدين تاريخ اسمه ومدينته وعصره.

وجه شارل بودلير صداميّ، متأهّب على الدوام للارتطام بسقوف حياته، ومعناه، هي السقوف الموهومة للقرن التاسع عشر، الذي شهد غرابة وجوده.

بعض الوجوه تضيئها نجمة القطب، وتخضّبها بجاذبية ناهبة وجارفة، وبعضها الآخر تضيئها أزهار الخلاءات والبراري، فتضرّجها بعبق سحري... وجه شارل بودلير إن لم يحظ بشرف أن توقد نجمة القطب ناره، واستأثر بالمقابل بضوء زهرة وحشية. لا يتعلق الأمر بزهر الخلاءات والبراري حقيقة، إنه يتعلق بزهرة عزلاء، فادحة، وغريبة فوق ما تطيقه الغرابة. زهرة بائسة رغم جسارتها. ليست من بستان أزاهير شرّه كما قد تتوقعون. بل هي تلكم الزهرة التي لا تنبت إلا في سكة الحديد. أعني سكك القطارات بالتأكيد.

وجه شارل بودلير يشبه هذه الزهرة المأساوية العزلاء، التي تقاوم عنف الصرير المدوي لمروق القطارات، وتتجشم عناء الغبار والصقيع والقيظ والثلج على مرّ الفصول، وتنبغ في الانفلات من قطاف أبناء كنّاسي المحطات...

خبِرَ هذا الوجه سأم باريس، وصار ظلا أنطولوجيا له ولها معا. أدمن هذا الوجه ثمالة آخر الليل ومعترك الموت المحدق بالمتسكع على تخوم الفجر. ألِفَ هذا الوجه زيف المرايا وساعة الهاوية. تشرّب هذا الوجه صخب الحانات وقيء السكارى والصمت المهمل بين فجوات الأغنيات الزاعقة.

يدرك صاحب الوجه الممرّغ في شوك القسوة وشهوة الغموض، أنّ القذارة تتربص به في كل زقاق من أزقة الوجود الإنساني، جابه أنهارها بالتجديف نحو ضفة طفولته ما استطاع إلى ذلك سبيلا. ثم ترك الأمر برمّته حين اكتشف أنّ القذارة لا تعشوشب في الخارج فقط، بل تزهر في أقبية داخله المعتمة. ... المزيد

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

ما رأيك في استغلال المنابر الدينية في الشأن السياسي؟

مقبول
مرفوض
لا أعرف