• الخميس 07 شوال 1439هـ - 21 يونيو 2018م

آيات ومواقف

رحمة الله سبقت غضبه.. والمغفرة مقدمة على العذاب

حجم الخط |


تاريخ النشر: الجمعة 09 مارس 2018

أحمد محمد (القاهرة)

طلع رسول الله صلى الله عليه وسلم على جماعة من أصحابه، من الباب الذي دخل منه بنو شيبة في الحرم، وهم يضحكون، فزجرهم ووعظهم، فقال: «ألا أراكم تضحكون»!، «أتضحكون وبين أيديكم النار»، ثم أدبر حتى إذا كان عند الحجر رجع إليهم القهقرى، فقال: «إني لما خرجت جاء جبريل عليه السلام فقال يا محمد، يقول الله عز وجل، لم تقنط عبادي من رحمتي؟، وأنزل الله تعالى قوله: (نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ * وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ)، «سورة الحجر: الآية 49»، قال ابن عباس، الغفور الرحيم، لمن تاب منهم.

قال الطاهر بن عاشور في «التحرير والتنوير»، نبئ عبادي أني أنا الغفور الرحيم، هذا تصدير لذكر القصص التي أريد من التذكير بها الموعظة بما حل بأهلها، وهي قصة قوم لوط وقصة أصحاب الأيكة وقصة ثمود، وابتدأ ذلك بقصة إبراهيم عليه السلام، لما فيها من كرامة الله له تعريضا بالمشركين، إذ لم يقتفوا آثاره في التوحيد.

وابتداء الكلام بفعل الإنباء لتشويق السامعين إلى ما بعده، كقوله تعالى: (هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْجُنُودِ)، «سورة البروج: الآية 17» ونحوه، والمقصود نبئهم عن ضيف إبراهيم، وإنما قدم الأمر بإعلام الناس بمغفرة الله وعذابه ابتداء بالموعظة الأصلية، قبل الموعظة بجزئيات حوادث الانتقام من المعاندين وإنجاء من بينهم من المؤمنين، لأن ذلك دائر بين أثر الغفران وبين أثر العذاب، وقدمت المغفرة على العذاب، لسبق رحمته غضبه.

وقال السعدي، لما ذكر ما يوجب الرغبة والرهبة من مفعولات الله من الجنة والنار، ذكر ما يوجب ذلك من أوصافه تعالى، فقال نبئ عبادي، أخبرهم خبراً مؤيداً بالأدلة، أني أنا الغفور الرحيم، فإنهم إذا عرفوا كمال رحمته ومغفرته، سعوا في الأسباب الموصلة لهم إلى رحمته، وأقلعوا عن الذنوب وتابوا منها، لينالوا مغفرته.

ومع هذا، فلا ينبغي أن يتمادى بهم الرجاء إلى حال الأمن والإذلال، فنبئهم «أن عذابي هو العذاب الأليم»، لا عذاب في الحقيقة إلا عذاب الله الذي لا يقادر قدره ولا يبلغ كنهه، نعوذ به من عذابه، فإنهم إذا عرفوا أن لا يعذب عذابه أحد ولا يوثق وثاقه أحد، حذروا وأبعدوا عن كل سبب يوجب لهم العقاب، فالعبد ينبغي أن يكون قلبه دائماً بين الخوف والرجاء، والرغبة والرهبة، فإذا نظر إلى رحمة ربه ومغفرته، أحدث له ذلك الرجاء والرغبة، وإذا نظر إلى ذنوبه وتقصيره في حقوق ربه، أحدث له الخوف والإقلاع عنها.

وقال ابن عطية الأندلسي، ذكر الله تعالى ما أعد لأهل الجنة عقب ذكره ما أعد لأهل النار ليظهر التباين، وقال: «نبئ عبادي»، وهذه آية ترجية وتخويف، وروي في هذا المعنى عن النبي أنه قال: «لو يعلم العبد قدر عفو الله لما تورع من حرام، ولو يعلم قدر عذابه لبخع نفسه».

وقال الرازي في التفسير الكبير، اعلم أن عباد الله قسمان، منهم من يكون متقياً، ومنهم من لا يكون كذلك، فلما ذكر الله تعالى أحوال المتقين في الآية، ذكر أحوال غير المتقين في هذه الآية فقال: «نبئ عبادي»، فههنا وصفهم بكونهم عبادا له، ثم أثبت عقيب ذكر هذا الوصف الحكم بكونه غفوراً رحيماً، فهذا يدل على أن كل من اعترف بالعبودية ظهر في حقه كون الله غفوراً رحيماً، ومن أنكر ذلك كان مستوجباً للعقاب الأليم.

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا