• السبت 11 ربيع الأول 1438هـ - 10 ديسمبر 2016م

وجدت صدى لها في الأعمال الشعرية والنثرية

الرواية الأوروبية.. حرب على الحرب

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 19 فبراير 2015

وجدت الحروب التي مزّقت بلاد اليونان القديمة صدى لها في العديد من الأعمال الشعريّة والنثريّة. تشهد على ذلك رائعتا هوميروس الملقب بـ «مربّي اليونانيين»، أعني بذلك «الأوديسه»، و«الإلياذة». ففي هذين العملين تبدو الحرب كما لو أنها شيء فطريّ وغريزيّ في الوعي اليوناني. أما الرغبة في الانتقام والتشفيّ فهي تبرز كركيزة أساسيّة في الثقافة اليونانيّة.

في النشيد الثاني والعشرين من «الأوديسة»، يصف لنا هوميروس معركة طاحنة تنتهي بأرض ملطّخة بالدماء، وبرؤوس مقطوعة، وأجساد مشوّهة، وعيون مفقوءة. وهو يقارن الضحايا بالأبقار التي تلاحقها نعرة، وبعصافير هاربة من صقور لها مناقير معقوفة، وبأسماك تتخبّط في الدم. وفي «الإلياذة»، يصف المحاربين بـ «الضواري»، وبـ «الكواسر». وهم يتقاتلون بمختلف الأسلحة، وحتى بالأحجار والأرجل. وأما الحرب فتوصف كما لو أنها صراع دمويّ عنيف لا مكان فيه للضعيف، أو للجبان، أو للمتخاذل. وخلال المعارك، نحن نرى المحاربين وهم يحصدون رؤوس بعضهم البعض كما لو أنها سنابل قمح. كلّ واحد منهم يرغب في أن يصيب خصمه في المكان الأشدّ حساسيّة مثل القلب والرأس والبطن. حتى الجثث لا تنجو من القسوة. فهي تشوّه تشويها مريعا، ويمثّل بها حتى أن أصحابها يفقدون ملامحهم فلا يمكن التعرف عليهم حتى من قبل أقاربهم.

وفي العصور الحديثة، نحن نعاين ارتباطا وثيقا بين الحرب والثقافة. وقد انعكست صور الحروب المرعبة التي شهدها العالم في القرن العشرين، سواء كانت اقليميّة ام عالميّة، في العديد من الأعمال الروائيّة.

جحيم التكنولوجيا

في جميع هذه الأعمال الروائية التي عنيت بموضوعة الحرب، نحن نعاين أن التقدم التكنولوجي والعلمي الذي تحقق للبشرية، لم يفض إلى السعادة المنشودة والى الرخاء والسلام، وإنما هو حوّل حياة الأمم والشعوب الى جحيم فيه تستعمل الأسلحة الأشد فتكا بالإنسان وبالطبيعة. وهذا ما جعل سيجموند فرويد يقول: «لقد دفع أناس اليوم بالتحكم في قوى الطبيعة إلى حدّ بعيد بحيث باتوا بمساعدتها، واعتمادا عليها، يتقاتلون حتى يخرّ فرد منهم». واذا ما كان المحاربون في العصور القديمة يعودون مبتهجين بالانتصارات التي حققوها، وبالبطولات التي أظهروها في ميادين القتال، فإن المشاركين في الحروب الحديثة يكونون في نهاية الحرب على أسوأ حال جسديّا ونفسيّا. بل قد يفقدون القدرة على التركيز وعلى التفكير بسبب التجارب المرعبة التي عاشوها وهم يجتازون قرى ومدنا مخربة، او يمشون فوق الجثث المتعفنة، او يشاهدون حرائق تأتي على الأخضر واليابس. وفي جلّ أعماله، صوّر الكاتب الفرنسيّ الكبير لوي فارديناند سيلين فظائع الحربين الكونيتين. ففي الأولى كان مشاركا. امّا في الثانية فقد كان شاهد عيان. وبقدرة فنيّة عالية، تمكّن من ان يجعلنا نعيش النفور الحاد ازاء الحروب وأهوالها وكوارثها.

إن العالم بأسره عند سيلين غارق في الجريمة وحتى الضحايا انفسهم مسؤولون عما حدث ويحدث من اعمال قتل وتخريب وتدمير ونهب. ومثل سيلين ابدى الفرنسيّ الآخر هنري باربوس امتعاضه من الحرب واصفا القرن العشرين بـ «عصر الدماء». وفي روايته الشهيرة «الجحيم»، رسم صورة قاتمة لأهوال الحرب، وتأثيراتها النفسيّة على الجماعات والأفراد. وردّا على سؤال طرحه احد المحامين: ماذا يمكن ان نفعل لتجنب الحرب؟ كتبت فيرجينا وولف نصّا بعنوان: «ثلاثة جنيهات»، اكدت فيه منذ البداية ان الحرب مقصورة على الرجال الذين يحتاجون، حسب رأيها، الى اثبات قوة شخصيتهم في معارك القتال. وختمت نصها المذكور مخاطبة المحامي: «انت تقول إن الحرب شيء فظيع. لذا يجب ايقافها بأيّ ثمن. وانا كامرأة، وبرغم الاختلاف بيني وبينك في التربية، وفي التقاليد، اردّ عليك بالشيء ذاته: الحرب شيء فظيع … لذا لابدّ من ايقافها بأي ثمن». ... المزيد

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

ما رأيك في استغلال المنابر الدينية في الشأن السياسي؟

مقبول
مرفوض
لا أعرف