• الجمعة 10 ربيع الأول 1438هـ - 09 ديسمبر 2016م

أمبيدوقليس وجدلية التكوين

الحب.. سلاح المواجهة

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 14 يناير 2016

حنا عبود

منذ أيام أمبيدوقليس، بل قبل أمبيدوقليس بفترة طويلة جداً، لا يبدو أن الحياة السياسية والأخلاقية تغيّرت كثيراً، أو تحسنت قليلاً. وعلى الرغم من بزوغ علوم جديدة كعلم الاجتماع وعلم النفس وعلم الإحصاء وعلم السكان وعلم البيئة وعلم الفضاء... فإن الجانب الآخر، الجانب الحياتي، أو الأخلاقي لا يزال كما كان، أو لنقل إنه لم يبتعد كثيراً عما كان. فالجشع والزهد لا يزالان كما كانا في القديم، فنسبة الزهاد ونسبة الجشعين... مثل نسبة الذكور والإناث في المجتمع الواحد... تكاد تكون واحدة، وما يدعو إلى الدهشة أن الجشِع يكثر مما عنده، وما أكثر ما عنده، ولا يكترث بكثير من منتجات الأدب والفن... فلا الذوق يغدو أرهف، ولا الرغبة في الاقتناء تتقلص، فلا عتبة لكفايته، كأنه حُوْت السماء لا يشبع من ابتلاع الأقمار، مهما قرع البشر على قدور مطابخهم بمغارف الطعام وحجارة الطريق.

منذ أيام الطاغية ديونيسيوس وحتى اليوم، لم تتغير ميول العدوان ولا شهوة الامتلاك. حتى أسلوب العمل ظل انتهازياً، فقد دخل هذا الطاغية المدينة رافعاً تمثال الربة فينوس، زاعماً في عرض ضخم مع أنصاره في شوارع المدينة، أنه سيحمي الأرض والعرض ويسترجع الحقوق المغتصبة... كما هو خطاب غلمان الانقلابات العسكرية في النصف الثاني من القرن الماضي، وحتى اليوم، وربما إلى الأبد...

ولم يجد فوكوياما في كل أحداث الشرق الأوسط، ولا الأدنى ولا الأقصى، ولا الشرق بكامله، ولا أفريقيا ولا أميركا اللاتينية، ما يؤيد نظريته، بل عاد الطاغية ديونيسيوس، بنسخة واحدة وإنْ اختلف الشكل واللغة والجنس، إلى مسرح الأحداث، لنجد أنفسنا أقرب إلى نظرية أستاذه هنتنغتون. إن الديمقراطية التي يدعو إليها لم تحل المشاكل الجديدة ولا أجابت عن الأسئلة القديمة.

ولا تزال القضايا مطروحة، كما كانت منذ القديم: هل الطاغية خلقة وتكوين أو تخلّق واكتساب؟ بل هل ظواهر الكون والنبات والحيوان والإنسان صالحة أم طالحة، وكيف نميز بين الصالح والطالح، وكيف نوفر للبشر بيئة من السعادة في حدها الأدنى؟... إلخ. ويمكن أن تطرح أسئلة أخرى عن الأرض والنباتات والحيوانات، فلماذا تظهر نباتات شبيهة بالطغاة، تبتلع كل ما يقع بين أغصانها؟ وما الفائدة من هذا النبات القاتل وجشعه الأبدي، وأي حكمة تقبع وراء ذلك؟... إنها أسئلة تطرح في مجالات أخرى أيضاً...

وهذا المخلوق «الإنسان» الذي جعله بروتاغوراس مقياس كل الأشياء، لو كان الطغيان تجربته الأولى لقلنا حاول ففشل، ولكنها تتكرر باستمرار، فهل هي قانون «من شيم النفوس» كما قال المتنبي، مع أن التاريخ يؤكد فشلها وضررها البالغ على الفرد والمجتمع؟. ترى هل يخضع الكون والخليقة للأهواء، أم أن له قانوناً لا يتغيّر؟ لماذا لا يكون الطغيان حرفة موروثة، فيكون الطغاة سلالة وراثية مثل بقية السلالات المهنية والحرفية التي تتوارث «المواهب» عن الأسلاف، فيكفي القضاء عليها بطريقة ما حتى نتجنب المآسي؟ لماذا لا يزال الناس إما قابيل وإما هابيل؟ ... المزيد

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

ما رأيك في استغلال المنابر الدينية في الشأن السياسي؟

مقبول
مرفوض
لا أعرف