• الخميس 09 ربيع الأول 1438هـ - 08 ديسمبر 2016م

أمبيرتو إيكو والسخرية ما بعد الحديثة

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 14 يناير 2016

فتحي المسكيني

هي سخرية تقع على الجهة المقابلة لنا. على جهة اللغة. وهي تنطلق من «الحق في التسلية» بوصفه حقّاً إضافيّاً بمعنى أساسي: أي يبرّرها إمكان يثوي في طبيعة البشر بعامة، إلاّ أنّهم لا يستعملونه إلاّ نادراً. ندرة أخلاقية غير مبررة تقريباً. وما يقترحه الفيلسوف والساخر الإيطالي الشهير أمبيرتو إيكو هو أن نراجع فكرة ديكارت عن طبيعة الإنسان: إنّ الشيء الأعدل توزيعاً بين الناس ليس الحس السليم، كما قالت الأزمنة الحديثة من بعده، بل «الحماقة» (ص8).

إنّ مفهوم السخرية إنّما يدين بصلاحيته الفلسفية إذن إلى الحماقة، وليس إلى أيّ امتياز آخر. ولا يتردد إيكو في تقديم ما يكتبه عن الحياة الحديثة بوصفه «مساهمة في تحليل الحماقة» (نفسه) ليس أكثر. وربما ينتهي الأمر إلى نوع من ترجمة الحماقة إلى لغات أخرى في شكل «إحالات نصّية» تمكّننا من «استعادة الطريقة التي يتكلّم الناس بها» (ص9) فعليّاً، وليس كما يجب أن يفعلوا باسم هذا المثل الأعلى أو ذاك.

لو تخيّلنا مثلاً أنّنا أصبحنا «كوكبيّين» أو «فضائيّين» وأنّنا صرنا نتحدّث عن وجود الإنسانية التي نعرفها على الأرض في صيغة الماضي، إذن لتغيّر أفق الخطاب إلى درجة أنّنا سوف نتعامل مع عامل «الحماقة» وكأنّه معطى ثقافي أو تمييز ميتافيزيقي لنوع من المخلوقات التي تشبهنا دون أن تتماهى معنا. من أجل قياس مسافة الحماقة على كوكب الأرض لابدّ من أناس يتحدّثون انطلاقاً من المستقبل الكوكبي وليس البشري.

حماقة ما بعد الإنسانية

يفتتح إيكو كتابه بجملة من المراسلات بين سكّان كوكبيين على مدى مجرّتنا تتحدّث عن شؤون حياة تقع خارج مدار عقولنا الحديثة وتحكم علينا سلفاً بنوع من الحماقة ما بعد الإنسانية. كوكبيّون «توالدوا عذريّاً» (ص15) «متساوون أمام الرحم العظيم بغضّ النظر عن شكلهم أو عدد حراشفهم أو أذرعهم أو حالتهم الفيزيائية (صلبة كانت أم سائلة أم غازية)» (ص16). الكوكبيّ لا يتزوّج مثلنا، والمساواة بين الكوكبيين ليست عمودية. وتعطيل علاقة الزواج تخرج الكوكبي من أفق البشر، وتجعله كائناً معفى من قصص التكوين التوراتية، والتي أعطت شكلاً أخلاقياً مخصوصاً لمعنى الذات الذي نعرفه، والمساواة بين الكوكبيين ليست أمام الأب أو الملك أو الإله، بل أمام الرحم العظيم، أمام الكون. إنّها مساواة أمام الإمكان، وليس أمام صورة ما عن أنفسنا. ... المزيد

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

ما رأيك في استغلال المنابر الدينية في الشأن السياسي؟

مقبول
مرفوض
لا أعرف