• السبت 06 ربيع الأول 1439هـ - 25 نوفمبر 2017م

حريق يشب في رأسي!

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 23 مارس 2017

أمل إسمـاعيل

«أريدُه قصيراً، أقصرَ مما يمكنُ لامرأةٍ أن تبلغَ بها الجرأة في هذا الحَي المُسالم». حاسماً كان قراري، وهادئةً كانت ابتسامتها، لمْ تلتفتْ إلى طلبي بالدهشةِ التي انتظرت، لكنها اقترحَتْ حَلاًّ لا يقلُّ جنوناً عن طلبي: «عِوضاً عن قَصِّ شعركِ الطّويل هذا.. حَنِّيه!»

الحناء! أكره الحناء، أكره لونها، وتاريخها، ورائحتها، وأكرهُ كلّ ما ارتبطَ بها من طقوس واحتفالات، ومومياوات فرعونية! والكراهيةُ هي ما جُلّ ما كنتُ أحتاجُهُ في تلك اللحظة. «حنّيه إذن!»، أجبتُها.

غواية الحناء

«في الحِناء شِفاء»1، وأنا أبحثُ عن التشافي من تلك الأفكار التي ما انفكتْ تنبتُ في رأسي وتشعلهُ شيباً وحزناً، أيَجبُ على المرءِ أن يصابَ بمرضٍ خبيثٍ لكي يَرسم على جلدةِ رأسه تلك النقوش! أم عليه أن يُحَرّرَ خصلاته من اللون ويغمسها في عَجينٍ يمنحها التماعاً حارقاً للعين مذيباً للقلب دون حاجة لتبرير ذلك الفعل للآخرين. الحناءُ غواية، في اللون والرائحة والشكل والالتصاق بالجسد، شأنها شأن حُبٍّ يولدُ فتياً، يشغلُ القلبَ ويُشعله، ثم يخبو، وينسحبُ من خلايا الجسدِ كما الروح تتسربُ من أطرافه. تبدو يَدكَ المخضبة بالحناء رمزاً للسعادة، رسالة سلامٍ لأولئكَ الذين يُحسنون القراءة، إشارة فأل حسن، أو ترنيمة خير تتنزل بالرحمة على جسدك المتعب. هكذا تبدو «الروائح الذكية، والألوان الصارخة، والأشكال البالغة الحد في الأناقة كأنها تتنازع، بجميع قواها، حق استرعاء انتباهنا. ولا يقتضي الاستسلام إلى هذه الأحاسيس المتناهية في العذوبة إلا الشعور بتذوق اللذة، وإذا لم يستشعر باللذة جميع من وقعت هذه المناظر تحت أعينهم، فلأن بعضهم يعوزه الإحساس الطبيعي، ولأن معظمهم إذا ملكت عليه مشاعره أفكار أخرى، لا يستسلم، إلا خلسة، إلى الأشياء التي تؤثر في حواسه»2.

قالت لي أمي بأنّ نساء عائلتنا تشيبُ في سن الثلاثين، اشتعل رأسُ صديقتي شيباً وهي لم تبلغ الثانية عشرة، فكان عليها أن تتظاهر باتباع ألوان الموضة مبكراً، ولم ندرك ذلك إلا عندما باحتْ لنا بالسِّر بعد إنجابها طفلها السادس، كانت قد أتمّت دورة الخلق ولم يعد هناك ما يقضّ مَضجعَ الاعتراف المرير. لِمَ عليّ أن أنتظر قَدَريَ الأبيض! ولِمَ عَليَّ ألا أهادنهُ بِهِ وأترك البياض يَجتاحني كما فعل بشَعر نوال السعداوي 3 أو آني كريمير4 التي كَفّت عن الكذب على خصلات شعرها في الثالثة والأربعين وقررت التشبثَ بقدرها؛ «عندما يفلت المرء قدره من يده يهلك» 5 ، وعندما يتظاهر بأنه متشبث بالحياة فإن تلك الحبال التي يتمسك بها سرعان ما تذوب بين يديه، ليسقط في هاوية النكران.

ناكرةً، ونَكِرَةً.. هكذا كنتُ بشعري المشتعلِ بحمرة الحناء اليمنية، يتموّج مختالاً برائحة المعجون السحري التي تنبعث من كل خلية من خصلاته لتذكِّرني بما أكره.. تماماً كما تنبعث رائحة البن اليمني لتخدّر الحواس فتفتحَ عينيكَ على قمّةِ جبلٍ لا يهادن، حَربُكَ التي لن تتراجع عنها، يَدكَ المَطلِيَّة بِبُقَعِ جريمةٍ حمراء ليس لك أنْ تتبرأ مِنها، كتلك العروسِ التي حَرّقَتْ يَديها البَضَّتَينِ خُيوط الشمع السائلة لتُحَدِّدَ مَسارات الحناء التي تجتهدُ المُحَنِّيَةُ في اتِّباعها 6 لتُشهِدَ العالم على طريقها الذي اختارته.. أو اختيرَ لها، حتى صُداعك الذي ألفته يجافيك الآن؛ فالحناء شَفَتك من أسقامك إلى حين. ... المزيد

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا