• الأربعاء 24 ربيع الأول 1439هـ - 13 ديسمبر 2017م

توسدت بوابة (قصر الحصن) وواجهت مبنى (المجمع الثقافي)

(الفُسَيْفِسَاء)..حديث الحجر عبر جدار التاريخ!

حجم الخط |


تاريخ النشر: الأربعاء 18 فبراير 2015

نوف الموسى (أبوظبي)

خلال جولة مجموعة من الشباب الإماراتيين بالقرب من مبنى المجلس الوطني الاستشاري سابقاً، الواقع قبالة بوابة قصر الحصن، توقفوا أمام عدسة كاميرا (الاتحاد) التي كانت تحاول التقاط صورة مكبرة لزوايا (الفسيفساء)، المرصودة، في الزوايا السفلية من مبنى المجلس، إلى جانب مجموعة أخرى منها بجمالية لافتة في الجدار أعلى بوابة القصر، وتساءل الشباب: «ما الذي تحاولون تصويره في هذه الزاوية الضيقة والمرتفعة من جغرافيا الباحة الخارجية للمكان، ما طبيعة تلك الفوتوغرافيا، نود معرفة الفكرة منها، فعلياً لم نكتشف تلك المربعات الصغيرة في الجدار، ما فائدة تصويرها؟».

وجاءت إجابة «الاتحاد»: «بأن الهدف الأسمى من هذه الصور القريبة لتلك المفاهيم البسيطة، هو إطلاعكم إعلامياً، على ما يمكن أن تقدمه تلك الجدران من علاقة سرمدية، تنطق الحجر وتجعله جزءاً من التاريخ، وأن لا تكون فقط، هندسة مجردة من إحساسنا بالأشياء، وإنما تكون رصداً متجدداً لمفهوم الفعل الوجودي، ومدى قدرة الفنون على تأصيل أشكال التعبير المختلفة، وخاصةً إذا تعلق موضوعنا بالوطن، وتعريفه كبعد إنساني، وفلسفة للعبور الحضاري بين مختلف ثقافات العالم.

تفاصيل وعراقة

كيف يمكن لتلك (الموزاييك)، الحاضرة بين تفاصيل مقر الحدث التراثي، بإمارة أبوظبي، أن تقدم حديثاً فنياً، حول عراقة تاريخ المنطقة، خاصة أن الرسم المصنوع من مكعبات صغيرة الحجم، المتماسكة والمندمجة في ما بينها، أعطت أشكالاً ذات زخارف نباتية وزهرية، ومنها ما يمكن للمشاهد ملاحظته، عند بوابة قصر الحصن، من تصوير لنموذج (الڤازة) أو المزهرية، التي تتفرع منها هيئة الساق والأوراق اليانعة، في عدة اتجاهات، شكلت الخلفية الفريدة للأيقونة الرئيسية في اللوحة المتكاملة وهي المزهرية، ومقدرة تذوق فعل رسالتها العميقة، في تجسيدها لشخصية الراوي، وسرد حكايا تجليات الحضارة الإسلامية، التي شهدت أوج تطور فن (الفسيفساء)، ما يجعل المتلقي يتأمل الحجارة والمعادن والزجاج والأصداف، كإحدى أهم المواد الطبيعية المستخدمة في صناعة هذا الفن القديم، في تحليل أبعاد أهدافه، في تعزيز أواصر التلاحم المتمثل في صياغة اتحاد يقود المكون الإنساني إلى أوسع آفاق المعرفة.

مشهد (المزهرية) في (الفسيفساء)، يعود بنا إلى تلك القصائد الرومانسية، التي اسُتمدت من مفهومها، تعريفاً للالتقاء والفراق بين الزهور والخزف، ومنها ما كتبه الشاعر الأمير بدر بن عبدالمحسن في قصيدة بعنوان: “المزهرية”، وقال فيها: «لا إنتي وردة.. ولا قلبي مزهرية من خزف، صدفه وحدة جمعتنّا.. شوفي وشلون الصدف، التقينا في مدينة.. وفرقتنا ألف ميناء، اغفري للريح والموج والسفينة»، بينما نقلتنا خطوط أوراق الزهر البارزة من المزهرية في (الموزاييك)، إلى زخم امتداد العلاقة بين الفنان والحس الطبيعي لماهية البيئة وتناظرها في مخيلته، المتناسلة في العمل الفني، كفنتازيا وعرض بصري متكامل، بينما جاءت الألوان، قريبة للأصفر والأخضر، لتفسير روح العمل الفني ولغة عناصره الرئيسية.

إيقاع اللون

بالمقابل فإن واجهة مبنى المجمع الثقافي، الواقعة ضمن منظومة قصر الحصن التاريخي، استكملت نشوة الانتصار لـ «الفسيفساء»، القائمة على إيقاع اللون الأزرق والخط في تكوين الوحدة التشكيلية، الشبيهة بشكل(المُعين) وهي الهندسة الرياضية القائمة على الشكل الرباعي المكون من مثلثين متساويي الساقين، لهما قاعدة مشتركة، والقاعدة المشتركة لا تُرى بصرياً، ويفسر الباحثون الرسم الهندسي باللغة الفنية المستخدمة في التفاهم ونقل الأفكار بين الناس، والسؤال الأهم هنا: “ما الذي يقدمه (موزاييك) المجمع الثقافي من فكر حضاري وجمالية معرفية، لتعزيز المفاهيم المشتركة التي قد لا تُرى فيزيائياً، ويمكن ملامستها على مستوى الوعي العام؟».

يتبادر إلى ذهن المتلقي العديد من التأويلات في ما يمكن أن تقدمة تلك القراءات الفنية، في إيضاح أهمية وقيمة التراث المحلي، والأهم من ذلك هو ما يمكن أن تضيفه إلى الساحة التراثية، وكيف يمكنها أن تساهم في تطوير أشكال عرض المنتج التراثي، إضافة إلى ما يمكن تلخيصه في قدرتها على إلهام صُناع التراث والمجددين، لضمان فعل استمرارها، فأهمية (ديمومة) التواصل مع الإرث الثقافي للمجتمعات، مرتبط بمدى الوعي بتطوير وسائل استثماره، وتحويل التراث من أداة للعرض إلى مصدر للإنتاج يدفع بالأشخاص إلى الامتثال بفكرة النبش بمخزون الماضي، من خلال إمكانيات الحاضر، لتشكيل بنى مستقبلية.

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا