• الأحـد 12 ربيع الأول 1438هـ - 11 ديسمبر 2016م

حكايةُ الجُسُور

حجم الخط |


تاريخ النشر: الأربعاء 27 أبريل 2016

عبد العزيز جاسم

حكاية الآخرية، أو العبور إلى الآخر ومحاولة الوصول إليه، سواءً من الشرق إلى الغرب، أو من الغرب إلى الشرق، هي في الأصل والمآل حكاية جسور وقناطر ظلت تُشيَّد وتُبنى وتُهَدَّم منذ قرونٍ وقرون، بألفِ شكلٍ وطريقةٍ ولونٍ ومعنى. فمنها ما هو حقيقي، ومنها ما هو وهمي ومتخيل ومزيف. ومنها ما هو مرئي وظاهر، ومنها ما هو لامرئي وخفي. ومنها ما هو متين وثقيل وثابت، ومنها ما هو هش وضعيف ومكسور وشائخ. ومنها ما هو سماوي وإلهي، ومنها ما هو أرضي وبحري وجوي. ومنها ما هو تجاري وروحاني وديني وفلسفي وفني وأدبي ومعرفي وعلمي وثقافي وقيمي وإنساني وسلمي وحضاري، ومنها ما هو حربي واستعماري وعدواني وانتقامي وطائفي واستغلالي وإلغائي وعنصري وإرهابي وظلامي متخلف.

***

إنها جسور، جسور كثيرة ومختلفة ولا تحصى، تلك التي تُعَبِّر عن الحكاية الكبرى للآخرية وتطبعها بطابعها. فمنذ أن عبر الإسكندر المقدوني (356 – 323 ق.م)، ثم الاستعمار الأوروبي في القرن السادس عشر، إلى الفضاء الشرقي. وكذلك، وباتجاه معاكس، منذ أن عبر هانيبال (247 – 183 ق. م)، ثم الفتح الإسلامي (711 – 712 م)، إلى الفضاء الأوروبي/‏ الغربي، وحكاية الفصل والوصل مع الشرق والغرب، أو مع الآخر وأخرويته، هي بين مدٍّ وجَزْرٍ ولم يتوقف أوارها حتّى يومنا هذا.

وصحيح مثلاً، ومع نهاية القرن العشرين وبداية القرن الحادي والعشرين، وبفضل الثورة المعلوماتية وتطور تقنيات الاتصال والإعلام و(السوشيل ميديا)، أن البشرية تغيرت تغيراً جذرياً، بعد أن انكسر حاجزا الزمان والمكان، وأصبح الجسر إلكترونياً والعالم قرية صغيرة. إلَّا أنّ هذا الوضع الجديد ذاته، وعلى الرغم من الفوائد الكبيرة التي جاد بها، قد خلق الكثير من المشاكل وعمَّق الهوة بين البشر، وأثار سيلاً من النزاعات والتمزقات والتهديدات والاختلافات والانقسامات والظلم، بين أجزاء كبيرة من العالم، وبالأخص منها ما جرى ويجري في منطقة الشرق الأوسط حالياً. هذه المنطقة التي تحوَّلت إلى مرتع خصب وجاذب، للحروب والدمار والفتن والانقسامات، وتسلط الفكر الأجرب لفقهاء التكفير والإرهاب من كل صنفٍ ومِلَّةٍ ونوع، الذين استغلوا حركة الانفتاح العالمي والجسر الإلكتروني أيما استغلال، لتحقيق مأربهم في تمزيق البلدان والشعوب والأديان.

لم تعد قضية الأخروية إذاً، محصورة بين شرق وغرب (وإن خفت إيقاعها مع مرور الوقت، واعتراف الكثير من دوائر الغرب بفضل الحضارة العربية الإسلامية عليها، التي كانت تنكرها سابقاً)، وإنما الأخطر من ذلك قد أصبحت شرقية شرقية، وعربية عربية، وإسلامية إسلامية. ولعل هذا الوضع من التمزق والفِرْقَة والضعف والتناحر والخيانات، يذكرنا بوضع ملوك الطوائف في الأندلس الذي عجل بسقوط آخر معقل إسلامي متقدم في أوروبا في القرون الوسطى: غرناطة، في عام 1492م. ... المزيد

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

ما رأيك في استغلال المنابر الدينية في الشأن السياسي؟

مقبول
مرفوض
لا أعرف