• السبت 04 ربيع الأول 1438هـ - 03 ديسمبر 2016م

الإخوان المسلمون في مرآة محمد الحمادي

سكّان الجحور

حجم الخط |


تاريخ النشر: الأربعاء 27 أبريل 2016

هاشم صالح

كنت أنوي منذ فترة كتابة دراستين منفصلتين ومتكاملتين. الأولى بعنوان «الإخوان المسلمون في مرآة الإسلام». أقصد إسلام العصر الذهبي بالطبع، لا إسلام عصر الانحطاط والظلام الذي يجسدونه تجسيداً كاملاً، بل ويشكلون استمرارية له. فما أبعدهم عن إسلام الأنوار الكبرى التي أشعت على العالم يوماً ما، من خلال المعتزلة والفلاسفة وبغداد وقرطبة. والثانية بعنوان «الإخوان المسلمون في مرآة الحداثة». وهنا أقصد الحداثة الأوروبية بمعناها الرصين وإنجازاتها التنويرية الكبرى، لا بمعنى صرعاتها، وشططها، وانحرافاتها. وبعدما اطلعت على كتاب محمد الحمادي «خريف الإخوان»، خطر على بالي أن أكتب دراسة ثالثة بعنوان «الإخوان المسلمون في ميزان الضمير والأخلاق». ذلك أنهم لا يؤتمنون على شيء، كما يتبدى واضحاً جلياً من خلال هذا الكتاب المهم، الذي يمتعك بقراءته من أوله إلى آخره.

ذكرني عنوان كتاب الحمادي من بعيد «بخريف الغضب» لهيكل، أو بمقولة الربيع العربي وقد تحول إلى خريف أصولي. كما ذكرني بالأحداث الجارية حالياً في الأردن، حيث يبدو أن شتاء الإخوان قد ابتدأ، وليس فقط خريفهم. فلأول مرة منذ سبعين عاماً، تغلق المقرات العامة لهذه الجماعة في العاصمة عمان وبقية المدن، ويحصل الطلاق الكبير بينها وبين المملكة الأردنية الهاشمية. وهذا حدث له دلالاته الكبرى. إنه دليل على أن الإخوان فاتهم قطار الزمن، بعد أن عرقلوا نهضة الشعوب العربية طويلاً، وحاولوا شدها إلى الوراء. ثم إذا كان بلد قوي يشهد نهضة غير مسبوقة على كافة الصعد والمستويات، كالإمارات العربية المتحدة، لا يحظى بإعجابهم، فهذا دليل على أن العلة فيهم، لا في سواهم. وأكبر مؤشر على غباء الإخوان أنهم اعتقدوا بأن «الربيع العربي»، الذي هبت رياحه على بعض الأقطار، يمكن أن يحصل في بلد صاعد وناهض كالإمارات! لا ريب في أنه توجد أخطاء ومشاكل حتى في أرقى بلاد العالم، كما يقول المؤلف. فالبشر خلقوا خطائين، والكمال لله وحده. ولكن المهم أن تتواصل النهضة العمرانية والاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية.. وهذا ما هو حاصل في الإمارات باعتراف العالم أجمع.

انقلاب وغدر

ومنذ البداية، يطرح المؤلف السؤال الأساسي: هل كانت مغامرة الإخوان وتنظيمهم السري تستحق كل هذا العناء في بلد يقف في طليعة بلدان المنطقة تقدماً وازدهاراً؟ وبالتالي، فتحركهم الغريب والمريب جاء في «البلد الخطأ، والوقت الخطأ»، كما يقول المؤلف حرفياً. وكانت النتيجة كارثة على الإخوان، وعلى صورتهم التي تشوهت، جراء أفعالهم السيئة داخل الإمارات وخارجها، على حد سواء.

كل الفصول الأولى للكتاب مكرسة لسرد تجربة الإخوان المسلمين في الإمارات العربية المتحدة، وكيف كانت الدولة تعاملهم أفضل معاملة، قبل أن ينقلبوا عليها ويغدروا بها. وأعترف بأني لم أكن مطلعاً على هذه التفاصيل الدقيقة التي يستعرضها الكتاب بالبرهان والحجة القاطعة. بالطبع سمعت كغيري، ولكن من بعيد، بحصول مشكلة هناك أو حتى صدام، ولكن ما كنت مدركاً لخفايا الأمور، قبل الاطلاع على هذا الكتاب القيم والمتوازن والمرن إلى أقصى الحدود. وبالمناسبة، فإنه يقرأ من أوله إلى آخره من دون أي ملل أو ضجر، نظراً للطريقة الذكية التي كتب بها. فهو مشكل من فصول قصيرة متتابعة على هيئة مسلسل متقطع أو لقطات سينمائية. أو على الأقل هكذا قرأته. من هنا طابع التشويق والترقب الذي يتميز به. فما أن تنتهي من قراءة فصل، حتى تجد نفسك تلهث وراء الفصل التالي، لكي تعرف ماذا حصل بالضبط.. وهكذا دواليك. وكل فصل مزود بعنوان مثير للانتباه ودافع إلى إكمال القراءة. أذكر مثلاً العناوين التالية: أعلام الإخوان وأعمالهم، مناقشة الإخوان في الأصول والفروع، التنظيم السري: سقوط الأقنعة، بعد الأدلة..هل بقيت فرصة للتوبة؟، تشريح الشخصية الإماراتية، الانفكاك عن الإخوان، الإمارات و«قطرات القرضاوي»، الخ.. المقصود قطرات السم بطبيعة الحال. فقد كان هجومه على الإمارات مستهجناً جداً، وقد ارتد وبالاً عليه، لأنه كان هو المعتدي الظالم. وأعتقد أنه اضطر للتراجع والاعتذار عن سقطته تلك. فهذا الشيخ الذي نصب نفسه بنفسه «إماماً للمسلمين» غصباً عنهم، تجاوز كل حدود اللياقة في تهجمه على دولة تجسد نهضة الإسلام، والوجه المشرق للحضارة العربية في هذا العصر. يمكن لهجومه أن ينجح على شخص خنفشاري كالقذافي مثلاً، ولكن ليس على الإمارات وحكام الإمارات الذين يجسدون الحكم الرشيد في عصرنا الراهن. هنا تكمن سقطته الكبرى. هو أيضاً اختار المكان الخطأ، والتوقيت الخطأ. في الواقع أن غطرسة الإخوان «وزعيمهم الروحي» بلغت أوجها في السنوات الأخيرة. وأكبر دليل على ذلك تطاولهم على الشيخ الأكبر الدكتور أحمد الطيب شيخ الجامع الأزهر. ومعلوم أنهم حاولوا إهانته أكثر من مرة أثناء فترة حكمهم القصير والفاشل في مصر. فقد قدموا عليه القرضاوي في المجالس، وأجبروه على الجلوس في المقاعد الخلفية التي لا تناسب مقامه ولا مكانته. ثم كان سقوطهم مدوياً، ليس فقط في مصر، وإنما في تونس أيضاً، والآن في الأردن. وهكذا، فقدوا هيبتهم واحترام الناس لهم. فقدوا تلك الهالة التي كانت تحيط بهم عندما كانوا يقدمون أنفسهم كرجال دين أو حتى دعاة إصلاح. وانطلت الحيلة على الناس. ثم سقطت الأقنعة مؤخراً. وميزة الكتاب الأساسية هي أنه ساهم في كشف هذه الأقنعة عن وجوه الإخوان. فهم يطلقون على أنفسهم لقب مشائخ، كما يقول المؤلف، أو حتى دعاة إلى الله، في حين أنهم يمارسون العمل السياسي المحض، بل ويخططون للمؤامرات السرية في الخفاء. هذه اللعبة المزدوجة للإخوان هي التي كشفها وعراها محمد الحمادي. ... المزيد

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

هل يتبنى ترامب مواقف أكثر توازناً ،خاصة تجاه الشرق الأوسط، بعد توليه الرئاسة الأميركية ؟!

نعم
لا