• الجمعة 05 ربيع الأول 1439هـ - 24 نوفمبر 2017م

أي ضيافة يحقّ لنا أن نعده بها!

هل عاد ابن رشد من المنفى؟

حجم الخط |


تاريخ النشر: الأربعاء 27 أبريل 2016

د. فتحي المسكيني

نُفي ابن رشد سنة 1195 إلى أليُسانة، وهي بتعبير الإدريسي «مدينة اليهود»، ومن الطريف أنّ وصف الإدريسي لها يشبه وصفاً رمزيّاً لنمط وجود الفيلسوف في مدينة الملّة في آخر عصورها. قال:» اليُسانة وهي مدينة اليهود، ولها ربض يسكنه المسلمون وبعض اليهود وبه المسجد الجامع، وليس على الربض سور، والمدينة مدينة متحصنة بسور حصين ويطوف بها من كل ناحية حفير عميق القعر والسروب وفائض مياهها قد ملأ ذلك الحفير، واليهود يسكنون بجوف المدينة ولا يداخلهم فيها مسلم البتة، وأهلها أغنياء مياسير أكثر غنى من اليهود الذين ببلاد المسلمين، ولليهود بها حذر وتحصن ممن قصدهم» (نزهة المشتاق في اختراق الآفاق).

نُفي ابن رشد إلى مدينة «الآخر» اللاهوتي للملة، وهو مكان حيث توجد حدود قاسية بين من هو «منّا» ومن هو «ليس منّا»، و»حصن» يحمي الداخل، و»حفير» يحمي من الخارج، وحيث يسكن أناس لا يمكن «مداخلتهم»، وهم «أغنياء» عن غيرهم، وبهم «حذر» ممّن يقصدهم.

وعلينا أن نسأل: هل تمّ اختيار «اليُسانة»، وهذا النوع من المكان بالذات، من أجل إعطاء عمليّة «نفي الفيلسوف» ملامح معيّنة؟ لماذا تمّ استعمال «الآخر» الديني كمكان لنفي ابن رشد ؟ هل يفترض ذلك أنّ الفيلسوف هو «آخر» نموذجي لا يشبهه إلاّ الآخر الديني؟ وأنّ نفيه لا يمكن أن يتمّ إلاّ بواسطة جهاز الغيريّة الذي تتوفّر عليه ثقافة ما؟

المنفى.. قدر الفلاسفة

طبعا. بين الفلسفة والمنفى صلة رحم سابقة. نفى أرسطو نفسه إلى أثينا طوعاً بعد أن اتُّهم بالتجديف. وللقدماء تراث أخلاقي حول مقام المنفى. قال سيناك:» ليس ثمّة ما يخسره المرء في المنفى، فمن أيّ جهة نظرت إلى السماء تكون المسافة هي نفسها بين ما هو إلهيّ وما هو إنسانيّ.» ولقد عانى من المنفى عديد الفلاسفة مثل هوبز وروسو وماركس وأدورنو ونغري... لكنّ دور الاسم العظيم هو أن يقف على الحدود الأخلاقية بين عقول الإنسانية: أن يدعوها إلى نادٍ واحد من أجل صداقة كونية. وأن يجمع بينها حول مائدة العقل. إنّ المنفى جزء من الانتماء إلى الإنسانية. وبقدر ما يمتلك مفكّر ما من حظوظ الكونيّة هو يمتلك من إمكانات المنفى. ... المزيد

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا