• الخميس 09 ربيع الأول 1438هـ - 08 ديسمبر 2016م

الصمت قوة في زمن الثرثرة

حجم الخط |


تاريخ النشر: الأربعاء 27 أبريل 2016

الثرثرة هي كثرة الكلام، وهي داء ومرض خطير يصيب الناس، رجالاً ونساءً على السواء. وفي الثرثرة خروج عن الحد المسموح به من الكلام، وعن ضوابطه أيضاً. ويدمن عليها الكثير من الناس، لدرجة أن هؤلاء لا يستطيعون العيش من دونها. والرسول عليه الصلاة والسلام يقول: «إذا تحدث أحدكم فليقل خيراً أو ليصمت»، وهذا دليل على خطورة الكلام غير المنضبط، وعلى ضرورة حفظ اللسان، لأن الكثير من المشاكل تنجم عن عدم ضبط اللسان. الأصل في الكلام أن يكون بمقدار الحاجة، وبما لا يضر بالآخرين أو بسمعتهم، وأن لا يكون فيه إساءة أو تجريح، وأن لا يتحدث الإنسان إلا بما ينفع، وأن يقلل من المزاح؛ لأن كثرة المزاح قد تؤدي إلى مشكلات بين الناس، وكثرة الكلام كثيراً ما تكشف العيوب، وتزيد من إمكانية الوقوع في الخطأ. فكلما كثر الكلام زادت احتمالات الوقوع في الخطأ. والثرثار يصبح محل سخرية الجميع، ويتحاشاه الناس كثيراً، لأنه يبالغ في الحديث، ويقوم بإضاعة وقت ثمين هو في أمسّ الحاجة إليه، فخير له أن ينجز عملاً مفيداً من أن يضيع وقته في كلام طويل عريض لا طائل من ورائه.

ومهما كانت أسباب الثرثرة، فهي داء لا يشعر به الثرثار وإنما بشعر به الآخرون، وتقع بلواه على رؤوسهم. بعض الناس تعودوا على الثرثرة وكثرة الكلام، لأنهم يجدون فيها لذة، وخصوصاً عند الطعن في آراء وميول الآخرين، أو النيل من سمعتهم وكرامتهم. وهناك من يثرثر فقط ليثبت أنه موجود عملاً بمبدأ «أنا أثرثر إذاً أنا موجود»، وقد يريد به صاحبه أن يثبت للآخرين شيئاً. فهنالك من يفعل ذلك لإثبات وجوده أو للفت الانتباه. وهنالك من يثرثر لتعويض نقص ما في شخصيته يحاول التخلص منه، فيفرغ طاقات النقص هذه عند أول فرصة. وأخيراً هناك من يثرثر لطبع تطبع به أو لتمرين لسانه الذي لا يهدأ بلا هوادة.

نرى اليوم أسلوباً حديثاً منتشراً بين الشباب هو الثرثرة الإلكترونية عبر مواقع التواصل الاجتماعي التي باتت تستقطب مجمل الشباب وتستهلك الكثير من وقتهم. فقد صار التعليق والدردشة عبر هذه المواقع هو الشغل الشاغل الذي لا ينتهي لكثير من شبابنا. أنا لست ضد التواصل ومعرفة الآخرين والاهتمام بهم، لكن ليس لدرجة قتل الوقت الثمين في اقتحام خصوصياتهم.

يرى البعض أن الثرثرة من صفات المرأة، دون الرجل، إلا أن ما نراه ونعيشه يومياً من نماذج لرجال ثرثارين ينفي إلصاق هذه التهمة بالنساء فقط، ولكن لعوامل التربية والتنشئة البيئية للنساء في مجتمعاتنا العربية، وما يواجهونه من تهميش وإقصاء، نصيب كبير في بلورة سلوكياتهن. فالشخص الثرثار لا يولد ثرثاراً، لكنه يكتسب صفة الثرثرة من طبيعة المجتمع الذي يعيش فيه. وقاعدة أن المرأة تتكلم أضعاف ما يتكلمه الرجل لا تنطبق على الجميع بطبيعة الأحوال، حيث أثبتت الدراسات أن شخصين من بين كل تسعة أشخاص لا تنطبق عليهما هذه القاعدة، ما يفسر جنوح سيدات إلى الصمت، وثرثرة بعض الرجال.

ونذّكر هنا بوصية لقمان الحكيم لابنه «إذا كان الكلام من فضة فالسكوت من ذهب». والكلام كالدواء، أن أقللت منه نفعك وإن أكثرت منه ضرك، فخير الكلام ما قل ودل، والصمت قوة في زمن الثرثرة.

نصـّار وديع نصـّار

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

هل يتبنى ترامب مواقف أكثر توازناً ،خاصة تجاه الشرق الأوسط، بعد توليه الرئاسة الأميركية ؟!

نعم
لا